أما مسألة بيان المجمل: فإنه كما مرَّ في كلام الشاطبي أن الإمام يأتي بأقوال الصحابة ليبيَّن بها السُّنن، ومن أقوى صور البيان: بيان مجمل السنة ، وفي موطإ الإمام نماذج كثيرة من هذا ، ومما يلحق ببيان المجمل بآثار الصحابة والتابعين معرفة غريب الحديث ، فالإمام -رحمه الله- يعتمد على آثار الصحابة والتابعين في تفسير الألفاظ اللغوية وتحديد الأمكنة التي تتعلق بها أحكام الشرعية ؛ وقد علق الإمام الشاطبي على بيان الصحابة وضرورة الاحتكام إليه في تفسير مراد الشارع لانفرادهم بخصائص لم تتوافر لغيرهم بقوله:"لا يقال إنّ هذا لمذهب راجع إلى تقليد الصحابي ، وقد عرفت ما فيه من النزاع والخلاف ، لأنَّا نقول: نعم ؛ هو تقليد ، ولكنه راجع إلى ما لا يمكن الاجتهاد فيه على وجهه إلا لهم ، كما تقدم من أنهم عرب ، وفرق بين من هو عربي الأصل والنحلة ، وبين من تعرب ... فإذا جاء في القرآن أو في السنة من بيانهم ما هو موضوع موضع التفسير ، بحيث لو فرضنا عدمه لم يمكن تنزيل النص عليه على وجهه ، انحتم الحكم بإعمال ذلك البيان لما ذُكِر ولما جاء في السنة من اتباعهم والجريان على سَنَنهم" [1] . فاللسان العربي المبين الذي يملكه الصحابة وتَمَيُّزِهم بإتقان اللغة العربية سليقة وشهودهم التنزيل كل تلك الظروف جعلتهم قادرين على فهم السنة النبوية خير فهم ، وتفسيرها لنا على الوجه الصحيح ، وكذا إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم على تلك المعاني التي فهموها ، وإقرار بعضهم لبعض فقد كانوا علماء بالشريعة فقهاء فيها ؛ يقول الإمام الشاطبي أيضا:"يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون ، وما كانوا عليه في العمل به ، فهو أحرى بالصواب ، وأقوم في العلم والعمل" [2] . ومن أمثلة هذا الفهم والبيان ما يلي:
(1) - الموافقات: ( 03/ 340 ) .
(2) - المصدر السابق: ( 03/ 77 ) .