أخرج الإمام مالك -رحمه الله - مجموعة من الأحاديث والآثار تدلّ على مشروعية الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر ، وبوَّب لها بقوله:"باب الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر" [1] ، أما في السفر فالأمر واضح ، وأما فيما يخصّ الجمع في الحضر فقد ذكر حديثا مرفوعا عن ابن عباس رضي الله عنه قال:"صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا ، في غير خوف ولا سفر" [2] ؛ فهذا الحديث يدل على جواز الجمع في الحضر مطلقا مع نفي أسبابه وهي: الخوف ، والسفر ؛ ودلالته جاءت على خلاف الأصل في مراعاة مواقيت الصلاة والمحافظة عليها ؛ لكنَّ الإمام مالك -رحمه الله - قيّد مطلق الجمع المذكور بأثر أورده بعد هذا الحديث عن ابن عمر رضي الله عنه ؛ فعن نافع:"أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم" [3] ؛ وبيَّن مذهبه في المسألة بتعقيبه على الحديث مباشرة بقوله:"أرى أنّ ذلك كان في المطر" [4] . أي أن الجمع في الحضر الذي دل عليه لفظ الحديث يجوز للحاجة والسبب كالمطر [5] لا مطلقا ، واعتمد مالك في هذا التقييد على فعل صحابي جليل هو عبد الله ابن عمر ، فابن عمر أقرَّ الأمراء و عمل بعملهم ولم يخالفهم ؛ والجمع المذكور في هذا الأثر ليس فيه أنه كان في سفر ، أي أنه في الحضر بقاء على الأصل ، وعلّل الجمع فيه بالمطر ، أي أنّ مطلق الجمع بين الصلاتين يجوز في السفر والحضر ، غير أنّه قيد بفعل صحابي أنه في الحضر لا يجوز إلاّ بسبب كالمطر .
(1) - الموطأ: ( ص/ 92 ) .
(2) - رواه مالك في: قصر الصلاة في السفر ، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر ، رقم: ( 336 ) .
(3) - رواه مالك في الموضع السابق .
(4) - الموطأ: ( ص/ 93) .
(5) - تنبيه: نصّ بعض العلماء على أنّه لا يتخذ عادة .