وعلى هذا فإن حصل فاصل بينهما من سكوت أو كلام بطل الاستثناء عند الجمهور، وقيل يصح مع السكوت أو الفاصل إذا كان الكلام واحدًا، واستدل هؤلاء بحديث ابن عباس رضي الله عنهما. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه. فقال العباس يا رسول الله: إلا الأذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم. فقال: إلا الأذخر) (1) وهذا قوله وجيه لقوة دليله كما ترى.
قوله: (ويجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه) أي لوقوعه في كلام العرب وغرض المصنف بيان أنه لا يشترط في صحة الاستثناء تأخير المستثنى عن المستثنى منه في اللفظ، بل يجوز تقديمه وهو قول الجمهور. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: (إني - والله - إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) (2) ، هكذا يمثل بعض الأصوليين وليس فيه استثناء بالمعنى المتقدم، ولعله مبني على ما جاء في المسوّدة (في أصول الفقه من أن الاشتراط بالمشيئة هو استثناء في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة، وليس استثناء في العرف النجوى) (3) أ هـ.
وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الإيمان والنذور فقال: (باب الاستثناء في الإيمان) ثم أورد الحديث: فالاستثناء عند الفقهاء أعم، ومنه: لك هذا المنزل ولي هذه الغرفة.
قوله: (ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره) الاستثناء من الجنس هو الاستثناء المتصل نحو: قام القوم إلا زيدًا. وهو من المخصصات. والاستثناء من غير الجنس هو المنقطع نحو: جاء القوم إلا فرسًا. وله عليّ ألف دينار إلا ثوبًا. فيصح الاستثناء وتسقط قيمة الثوب من الألف على القول بصحة الاستثناء المنقطع.
(1) أخرجه البخاري رقم 1736 ومسلم رقم 1353.
(2) أخرجه البخاري رقم 2964 ومسلم رقم 1649.
(3) المسودة ص138.