الصفحة 330 من 362

قولُهُ: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا} معلومٌ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ، فلماذا قال: إنَّا؟

نقولُ: للتَّعظيمِ لإظهارِ العظمةِ والسُّلْطَةِ وقُوَّةِ المُلْكِ {إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} ؛ يعني: أوَصْلَنَاها إليه، حتَّى كأنَّها طعامٌ ذاقَه لا يشكُّ فيه، وقولُهُ: {مِنَّا} ؛ لأنَّ كلَّ نعمةٍ بنا فإنَّها من اللهِ، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النَّحلِ: 53] .

وقوله: {مِنَّا رَحْمَةً} يقولُ المفسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: [نعمةٌ كالغنى والصِّحَّةِ] والمثالُ هنا لا يعني الحصْرَ، لكنَّه مثال، الغنى نِعْمَةٌ، الصِّحَّةُ نعمةٌ، الأولادُ نعمةٌ، الأمْنُ نعمةٌ، نِعَمُ اللهِ لا تُحْصى، كما قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النَّحلِ: 18] ، إذن ما ذكره المفسِّرُ على سبيلِ التَّمثيلِ، والتَّمثيلُ لا يُعطي الحَصْرَ.

وقولُهُ: {فَرِحَ بِهَا} المرادُ بذلك: فَرَحُ البَطَرِ والأَشَرِ لا الفَرحُ بالنعمةِ مع اعتقادِه أنَّها من عندِ اللهِ، فإنَّ هذا مأمورٌ به أن يَفْرَحَ الإنسانُ بنِعَمِ اللهِ، وفي الحديثِ:"إنَّ اللهَ إذا أَنْعَمَ على عبْدِه نعمةً يُحِبُّ أن يرى أَثَرَ نِعْمَتِه عليه" (1) .

ومن آثارِ النِّعمةِ الفَرَحُ؛ فالإنسانُ إذا رزقه اللهُ مالًا فَرِحَ، إذا عافاه اللهُ بعد المرضِ فَرِحَ، إذا تَزَوَّجَ فَرِحَ، إذا وُلِدَ له فَرِحَ، ولكنَّ الفَرَحَ نوعان:

* فَرَحُ أَشَرٍ وبَطَرٍ، فهذا مذمومٌ.

* وفَرَحٌ بنِعمةِ اللهِ تعالى مع التزامِ شريعتِه، فهذا ممدوحٌ ولا بأسَ به.

(1) أخرجه الإمام أحمد (4/ 438) ، من حديث عمران بن الحصين - رضي الله عنه -. والترمذي: كتاب الأدب، باب ما جاء إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، رقم (2819) ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت