الصفحة 280 من 362

كبيرةٌ، فالَّذي تَرَتَّبَ عليه البراءةُ منه، ليس منَّا كذا،"من غشَّ فليس منَّا" (1) ، وكذلك:"لا يُؤْمِنُ من لا يَأْمَنُ جارُه بَوَائِقَه" (2) ، كبيرةٌ؛ لأنَّه رُتِّبَ عليه نَفْيُ الإيمانِ.

إذن الكبيرةُ محدودةٌ - يعني تُعْرَفُ بالحَدِّ دونَ العَدِّ - وأحسنُ ما قيل فيها ما اختاره شيخُ الإسلامِ رَحِمَهُ اللهُ من أنَّ الكبيرةَ ما رُتِّبَ عليه عقوبةٌ خاصَّةٌ.

وقَوْلُهُ: {وَالْفَوَاحِشَ} بالنَّصْبِ معطوفةٌ على {كَبَائِرَ} ؛ أي: ويجتنبون الفواحشَ، قال المفسِّرُ رَحِمَهُ اللهُ: [وهي موجِباتُ الحدود من عطفِ البعضِ على الكلِّ] . فَسَّرَ المفسِّرُ رَحِمَهُ اللهُ الفواحشَ بأنَّها ما تُوجِبُ الحَدَّ، فَلْنَعُدَّ الزِّنا فاحشةً، وهو بنصِّ القرآنِ {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} [الإسراء: 32] ، نكاحُ ذواتِ المحارِمِ فاحشةٌ؛ لقولِ اللهِ تبارك تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [النِّساءِ: 22] ، تأمَّلِ الآن أيُّهُما أعظمُ نكاحِ ذواتِ المحارِمِ أو الزِّنا؟

الجوابُ: الأوَّلُ؛ لأنَّ اللهَ قال فيه: {كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} ، وفي الزِّنَا قال: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} ولهذا كان القولُ الرَّاجحُ أنَّ الإنسانَ إذا زنى بمحارِمه وَجَبَ رَجْمُهُ، سواءٌ كان مُحْصَنًا أمْ غَيْرَ مُحْصَنٍ.

والمفسِّرُ يقول: كلُّ ما فيه حدٌّ فهو فاحشةٌ؛ فالسَّرقةُ فاحشةٌ؛ وقَطْعُ الطَّريقِ فاحشةٌ؛ لأنَّ فيه حدًّا، والخمرُ فاحشةٌ، والصَّحيحُ أنَّ عقوبةَ الخمرِ ليست حدًّا،

(1) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب من غشنا فليس منا، رقم (101) ، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(2) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، رقم (6016) ، من حديث أبي شريح - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت