الصفحة 13 من 362

وعلى هذا فإننا نَجْزِمُ بأنَّ هذه الحروفَ ذاتَها ليس لها معنًى، لكن إذن يَرِدُ علينا إشكالٌ، إذا قلنا: ليس لها معنًى صار إنزالُها وكلامُ الرَّبِّ بها عَزَّ وَجلَّ عبثًا، واللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى لا يَفْعَلُ شيئًا عبثًا، فنقولُ: ليس بعبثٍ، هي ذاتُها ليس لها معنًى، لكن لها مغزًى يقترنُ بالتحدي، وهو أن يُقالَ: إنكم أيها العربُ تركِّبون كلامَكم من هذه الحروفِ والقرآنُ لم يأتِ بحرفٍ لم تتكلموا به، بل كُلُّهُ من الحروفِ التي تتكلمون بها، وهذا مثالٌ: (ح) (م) (ع) (س) (ق) ، ومع هذا عَجَزْتُمْ أن تأتوا بمثْلِهِ، فيكون بهذا مغزًى عظيمٌ، وهو أنَّ القرآنَ الذي أَعْجَزَكُم أيها العربُ مع أنكم أئمَّةُ الفصاحةِ، هل أتى بحروف جديدة، تقولون: واللهِ لا نعرف هذه الحروف، أو هو من الحروفِ التي أنتم تنطقون بها؟ فالجوابُ: الثاني ومع ذلك أَعْجَزَكُم.

ويدُلُّ لهذا المغزى الذي أقرَّهُ شيخُ الإسلامِ (1) رَحِمَهُ اللَّهُ ومن سَبَقَه ومن لَحِقَه، يدُلُّ على هذا: أنك لا تكادُ تجدُ سورةً مبدوءةً بهذه الحروفِ إلا وبعدها ذِكْرُ القرآنِ الكريمِ، أو ذِكْرُ ما لا يُمْكِنُ إلا بوحيٍ، ننظرُ الآنَ: {الم} [البقرة: 1] ، في أوَّلِ البقرةِ بَعْدَهَا: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ، وفي آلِ عمر {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [آل عمرانَ: 1 - 3] ، و {المص} [الأعراف: 1] {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} وهلمَّ جرًّا، ليس هناك إلا سورتان أو ثلاثٌ، لكنَّ حقيقةَ الأمرِ أنَّ الذي يلي هذه الحروفَ لا يتأتَّى العلمُ به إلا عن طريقِ الوحيِ.

فقولُهُ: {حم (1) عسق} نقولُ في تفسيرِها: هذه حروفٌ هجائيَّةُ ليس لها معنًى، لكن لها مغزًى.

قال المُفسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [ {كَذَلِكَ} أي: مثلَ ذلك الإيحاءِ {يُوحِي إِلَيْكَ} وأوحى

(1) انظر تفسير ابن كثير (1/ 71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت