فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 525

وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال، فإنه مال غدر، لا حاجة لنا فيه" (1) . فكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمثل ما كلم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأت يريد حربًا، فقام من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، ولا يبصق بصاقة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإذا أمرهم؛ ابتدروا أمره، وإذا تكلموا، خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر (2) تعظيما له. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى، والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا - صلى الله عليه وسلم - والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له فلقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

(1) يستفاد منه أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدرًا، لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدى إلى أهلها، مسلما كان أو كافرا، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة، ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه، فيرد إليهم أموالهم، ويستفاد من القصة أن الحربي إذا أتلف مال الحربي، لم يكن عليه ضمان، وهذا أحد الوجهين للشافعية.

(2) أحد البصر: نظر بإمعان وتدقيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت