فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل على أم سلمة - رضي الله عنها - فقال: يا أم سلمة، ما شأن الناس؟ ، قالت: يا رسول الله، قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانًا، واعمد إلى هديك حيث كان، فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكلم أحدًا، حتى أتى هديه فنحره بالحديبية قبل أن يحلق، ثم دعا حالقه فحلق. فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا. حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا. فحلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ ، قال:"اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال:"اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال:"وللمقصرين". قالوا: فما بال المحلقين يا رسول الله ظاهرت لهم الرحمة ثلاثًا (1) وللمقصرين واحدة؟ ، قال:"إنهم لم يشكّوا". (2)
قال سهل بن حنيف - رضي الله عنه: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا، ولقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لرددته، والله ورسوله أعلم، فجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ ، قال:"بلى"، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ ، قال:"بلى"، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ ، أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا".
(1) أي: أعنتهم وأيدتهم بالدعاء لهم ثلاث مرات.
(2) أي: ما عاملوا معاملة من يشك في أن الاتباع أحسن، وأما من قصر فقد عامل معاملة الشاك في ذلك، حيث ترك فعله - صلى الله عليه وسلم -.