فعُلِمَ من ذلك أنه لم يجرِ في الآية - ولله الحمد - التأويل الذي زعمه فضيلة الشيخ الصابوني؛ لأن المعية يختلف معناها باختلاف مواردها .
ج - وأما قوله: إن ابن كثير قال في التفسير قوله تعالى: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } . . وزعم أن هذا تأويل من ابن كثير؛ فنقول له: ليس هذا من قبيل التأويل الذي تدَّعيه؛ لأن الآية جاءت بلفظ الجمع: { وَنَحْنُ } .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في ( مجموع الفتاوى ) : ( 5/507 ) :
"فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه؛ دل ذلك على أن المراد به أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده من الملائكة؛ فإن صيغة"نحنُ"يقولها المتبوع المطاع المعظَّم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحدٍ جند يطيعونه كطاعة الملائكة لربهم، وهو خالقهم وربُّهم، وهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه وملائكته تعلم، فكان لفظ:"نحنُ"هنا هو المناسب".
وقال سياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة؛ فإنه قال: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } ، فقيَّد القرب بهذا الزمان، وهو زمان تلقِي المتلقيين؛ قعيد عن اليمين، وقعيد عن الشمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان، كما قال: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } ، ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب؛ لم يختص ذلك بهذه الحال، ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد من معنى مناسب"انتهى ."
ومنه تعلم أن ابن كثير - رحمه الله - لم يؤول الآية الكريمة كما زعم الشيخ الصابوني .