فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 498

وقال صاحب نزهة الناظر: وكان السبب للإيقاع به أنه لما حضر الأمير سلار من الحجاز بلغه من خواصه ما فعله ناصر الدين المذكور عند سفر السلطان إلى بلاد البحيرة للتصيد، وما تحدّث للملك الناصر من السّر وحمله إليه ألفي دينار كما ذكرنا، وأنه جسّره على أمور كثيرة لم تكن في ذهنه، وأن السلطان ملتفت إليه التفاتًا كبيرًا، وكل ما كان يحتاج إليه طلبه منه فيحمله إليه، ولما سمع سلار بذلك خرج عليه نقمًا كان في نفسه منه، فكتم ذلك في باطنه إلى أن جهّز الأمير ركن الدين بيبرس لأجل سفر الحجاز، وعلم أنه متى أوقع به في غيبة بيبرس كان يتوهم أنه كياد في حقه حيث ما فعله وهو حاضر، فاستشار الأمير علم الدين الجاولي في أمره واتفق الحال على أن يقيموا شخصًا من القبط يرافع عليه ويظهر في جهته أموالًا كثيرة أخذها هو ومماليكه، فأحضروا شخصًا من القبط وأمروه بذلك، فكتب أوراقًا عليه بجملة مستكثرة، ولما حضر الأمراء في دست المملكة شرع الأمير سلار وتحدث فيه بأنه فعل كذا وأخذ. فقالت الأمراء: إذا ظهر أنه حاق قطع جلده بالمقارع، فعند ذلك. رسم بطلبه وطلب مماليكه، كبك وبكتوت وغيرهما، وكان قد أرصد هؤلاء يتحدثون في أعمال الجيزة، فلما حضر قال له سلار: اسمع إش يقول هذا الرجل فيك بأنك أخذت من مال السلطان كذا وكذا، وإنك خنت، وقد عرفت كيف شرطت على نفسك، ثم قال للمرافع: تكلم معه وقل له على هذه الفصول التي ذكرتها عنه، فأخذ ناصر الدين يتكلم بعزة نفس وقال: إش هذا النجس حتى أتكلم معه أو يسمع منه في حقي، فما هو أتم كلامه حتى قال سلار: وأنت أيضًا يا قواد يا نجس ما كنت بين الخلق حتى تكبر نفسك ونتكلم بنفس وعزة، وإذا عرف أحد خيانتك تخرق به قدامنا، فما لنا عندك حرمة، ثم التفت إلى الحاجب وقال له: انزل على رأسه، فضربه على رأسه إلى أن أخرب شاشه، ثم طلب مشد الدواوين وقال له: خذ هذا ومماليكه واستخلص منهم مال السلطان، ولم يتكلم أحد من الأمراء كلمة واحدة، وخرج به مشد الدواوين منكّلًا به وقد أخذ سيفه.

وفي اليوم الثاني: شاور عليه مشد الدواوين الأمير عز الدين الأشقر فقال له: اطلبه قدامك وطالبه بالمال وإلا أسلخ جلده بالمقارع، فخرج عز الدين وطلبه إليه، وعرّفه ما رسم به نائب السلطان. فقال: السمع والطاعة، وشرع في تحصيل المال وفي بيع خيله وعدته وجميع حواصله أولًا فأولا، وصار مشد الدواوين كل يوم يخرجه وينكل به، وكان في نفسه منه شيء كثير لما سبق له من إهانته إياه وتكبرّه عليه، وجلس يوم الثلاثاء في الصناعة، وسيّر وراءه من أحضره من القلعة، وهو راكب حمار وعليه أربع رسل، ودخلوا به إلى سوق مصر ونواحي أسواق الصناعة، فقامت إليه أهل مصر وصاحوا عليه وسبوه ولعنوه وأرادوا أن يرجموه، فمنعهم من ذلك مماليكه، فبلغ ذلك سلارًا وكان يعلم أن الأمير بيبرس ممن يعينه ويساعده، وبقي ينتظر أن بيبرس يفتح معه كلامًا في حقه فلم يتكلم بشيء في حقه.

ثم أقاموا ايامًا إلى العشر الأول من شهر رمضان يتشاورون فيمن يولّوه وزيرًا يدبّر أمر الدولة، فاقتضى رأيهم وزارة القاضي سعد الدين بن عطايا، وسنذكر توليته، وقد ذكرنا أن ناصر الدين هذا كان قد تزوج بامرأة الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة، وسكن في بيتها المجاور لمشهد الحسين رضي الله عنه، وكانت أولادها جركتمر وأمير علي وخليل أولاد بهادر خصيصين بخدمة الأمير بيبرس، وكانوا يسعون لناصر الدين عند بيبرس، وبيبرس تارة يجيبهم، وتارة ما يردّ عليهم كلامًا، ومع هذا كان لبيبرس عناية لناصر الدين في الباطن، ولكن كان يعلم أن سلارًا يكرهه، ولا يريد أن يعارضه في أمر يفعله هو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت