فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 498

وكان له تقدم وسمعة في الولايات، وحرمة كبيرة، وآخر ولايته ولاية الغربية، وأضيفت له ولاية الشرقية، وكان يتحدث في الإقليمين، وكانت له اختراعات في الأعمال من جملتها: كان يضرب في الأرض خوازيق ويضع على علوها صاري ببكرة، فإذا علق عليه أحد من المفسدين يجذبونه إلى فوق جدًا، ثم يُرخونه إلى أن يقع على خازوق من تلك الخوازيق، فيخرج من جسده حيث يقع منه، وكانت له مهابة في النفوس ولم يجسر أحد في أيام ولايته أن يلبس مئزرًا أسودًا، ولا يتقلد بسيف، ولا يحمل عصيً، ولا يركب فرسًا. ورُئي في المنام بعد موته راكبًا حصانًا أشهب. وعليه عدة الحرب، وبيده رمحه، وعليه مهابة عظيمة، فقيل له: بم نلت هذه؟ فقال: غفر الله لي بعمارتي جسر السقفي، وهو جسر كان أنشأه بين ملفة صندفا وبين أرض سمنود. وكان في آخر عمره عرض له وجع المفاصل، فدخل على الأمراء أن يعفوه عن الولايات. فأُعفي وأقام في بيته إلى أن خرج السلطان إلى لقاء العدو، فتجهّز للسفر. فقيل له: إنك ما تحمل على الركوب على الخيل، فلم يسمع كلامهم وما زال راكب المحّفة إلى أن قامت الحرب، فركب فرسه وهو في غاية ما يكون من الألم ورجلاه متورمتان. فقيل له: أنت ترمي نفسك للموت. فقال: ويلكم لمثل هذا اليوم كنت أنتظر، وإلا كيف يخلّص القشاش نفسه من ربّه. فرفص فرسه وحمل عليهم ورمحه في يده. ووصل إلى صدر العدو وكأنه ليس به ألم، فلم يزل يقاتل حتى قُتل، ووجد فيه نحو من ست جراحات، رحمه الله.

الشيخ نجم الدين أيوب الكردي، قُتل في هذه الوقعة.

كان قد ورد من البلاد في سنة سبع وثمانين وستمائة، ومعه جماعة من الأكراد، وأقام بدمشق مدة سنتين، ونال من أمرائها حظًا كبيرًا. وظهرت له أمور من المكاشفات والصلاحية. وكان لا يدخل إليه أمير إلاّ ويطالبه بالهدية، ولا بد أن يحمل له شيئًا من الدنيا، واتبعوا أمره فيما يأخذه، فوجدوه يتصدق به ولا يدخره. ثم رحل إلى مصر ويوم عبوره حصلت له معرفة مع ابن قرمان المذكور. فأخذه إلى بيته. ثم بنى له زاوية بجوار بيته. وأقام فيها إلى أن خرج السلطان للقاء العدو، فخرج معهم. ولما التقوا بالعدو كان راكبًا بآلة الحرب، واقفًا إلى جانب ابن قرمان، فقُتل معه، ثم دفنا جملة واحدة.

الأمير عثمان بن يغمراس بن عبد الواد صاحب تلمسان.

توفي في هذه السنة على فراشه. وجلس بعده ولده محمد بن عثمان بن يغمراس.

قال بيبرس في تاريخه: وقد أمضهم الحصار ومسّهم الجهد. فأقام أربع سنين والمحاصرة مستمرة والمضايقة متضاعفة، وعدمت الأقوات وغلت الأسعار، فبلغ الحمل من الملح إلى مائة دينار والحمل من القمح إلى ستين دينارًا كبارًا ولحم الفرس الواحد إلى مائة دينار، والشاة إلى عشرة دنانير، والثور إلى ستين دينارًا. والدجاجة إلى ثلاثة دنانير. وورد على المحاصرين خبر من بلاد العدو فأوجب رحيلهم.

الملك العادل زين الدين كتبغا. توفي بحماة نائبًا عليها بعد صرخد كما ذكرناه.

وكانت وفاته يوم عيد الأضحى ونُقل إلى تُربته بسفح قاسيون غربي الرباط الناصري، وله عليها أوقاف داره على وظائف قراءات وغيرها، وكان من كبار المنصورية، وقد تملك بعد مقتل الأشرف خليل بن المنصور قلاون، ثم عزله عنها لاجين وحوله إلى صرخد، فكان بها حتى قُتل لاجين وعاد المُلك إلى الملك الناصر محمد بن قلاون فاستُنيب بحماة، وكانت وفاته بها.

وكان من خيار الملوك وأعدلهم، وأكثرهم برًا.

ورتب بحماة عوضه الأمير قفجق، فتوجه إليها وولي النيابة فيها، وكان نائبًا بالشوبك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت