فلما تمت هذه الكسرة، ولى المنهزمون ليرجعوا إلى بغداد، فحال بينهم وبينها بثق انبثق في تلك الليلة، وساحت منه مياه دجلة، وشملت الطرق والمسالك، وأدركت العسكر، فأغرقت بعضهم هنالك.
وقتل التتار مجاهد الدين أيبك الدوادار وولده أسد الدين، وكان مقدّمًا على خمسة آلاف فارس، وسليمان بن برجم أمير علم الخليفة، وجماعة من الأمراء البغاددة، وأعيان العسكر، وأسروا خلقًا.
وأما هؤلاء الثلاثة فإنهم حملوا رؤءسهم إلى الموصل، ونصبوها على باب المدينة ترهيبًا لصاحبها، وتخويفًا لأهلها.
وارتاع الخليفة أشد ارتياع، وأخذت أسبابه في الانقطاع، وأصبح لا يدرى، وإن كان حازمًا أقدامه خير أم وراءه، وأغلقت أبواب مدينة بغداد، فأحاط بها التتار وضايقوها بالحصار، فافتتحوها عنوة، ودخلوها غدوة في العشرين من محرم هذه السنة، فبذلوا في أهلها المناصل، وأوردوهم من حياض الموت أمرّ المناهل، وأكثروا الأيامى واليتامة والأرامل، ولم يرحموا شيخا كبيرًا، ولا طفلًا صغيرًا.
وفي تاريخ النويرى: وكان سبب ذلك أو وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمى كان رافضيًا، وكان أهل الكرخ روافض فجرت فتنة بين السنة والشيعة ببغداد على جارى عادتهم في السنة الماضية، فأمر أبو بكر ابن الخليفة وركن الدين الدوادار العساكر، فنهبوا الكرخ، وهتكوا النساء، وركبوا فيهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمى، وكاتب التتار وأطمعهم في ملك بغداد، وكان عسكر بغداد مبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتار متحصل إقطاعاتهم، وبقى عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس، وأرسل ابن العلقمى إلى التتار أخاه يستدعيهم، فساروا قاصدين بغداد فجرى ما جرى.
وقال ابن كثير في تاريخه: وأحاطت التتار بدار الخلافة، يرشقونها النشاب من كل جانب، حتى أصيب جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة الحظايا، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءَها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهى ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعًا شديدًا، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنقاذ قضائه وقدره سلب ذوى العقول عقولهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة، وكان قدم هلاون بجنوده كلها، وكانوا نحوا من مائتي ألف مقاتل في ثاني عشر المحرم من هذه السنة، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان ما تقدم من الأمر الذي قدره الله وقضاه، وهو أن هلاون لما كان أول بروزه من همدان متوجهًا إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمى على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عما يُريده من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دواداره أيبك وغيره، وقالوا: إن الوزير الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليهم من الأموال، وأشاروا بأن يبعث بشيءٍ يسير، فأرسل شيئًا من الهدايا، فاحتقره هلاون، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دواداره المذكور وسليمان شاه، فلم يبعثهما إليه، ولا بالى به حتى أزف قدومه، ووصل إلى بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة، فجرى ما جرى.
؟ ذكر خروج الخليفة إلى هلاون وقتله: ولما غلب التتار على بغداد، كان أول من برز إلى هلاون الوزير مُؤيّد الدين بن العلقمى، فخرج في أهله وأصحابه، فاجتمع بهلاون، ثم عاد، فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بني يديه، لتقع المصالحة، على أن يكون نصف الخراج من أرض العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء الصوفية ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، ولما اقتربوا من منزل هلاون حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسًا، فخلص الخليفة بهؤلاء، وأنزل الباقون عن مراكيبهم فنهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هلاون، فسأله عن أشياء كثيرة، وقيل: أنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خواجا نصير الدين الطوسي والوزير مؤيد الدين بن العلقمى وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئًا كثيرًا من الذهب والحلى والمصاغ والجوهر والأشياء النفيسة.