(2) وقد أبان البلاغيّون أهميّة معرفةِ مواطن الفصل والوصل بين الجمل الّتي لا محلّ لها من الإِعراب، واعتبروا إدْراكَ ذلك من الأمور التي تحتاج بصيرةً نفَّاذةً قادرةً على إدْراك مدَى التلاقي والافتراق، والتقارب والتباعد بين المضامين الفكريّة للجمل التي يتلو بعضُها بعضًا في الكلام، وأنّ هذا ممّا يَصْعُبُ على الكثيرين إدْراكُه، فلا يستطيعون دوامًا تَحْدِيدَ ما يجبُ أو يَحْسُن فَصْلُهُ، ومَا يجبُ أو يَحْسُن وصله، وَما يستوي فيه الأمران، فَلاَ يَرْتَقي ما يُنْشؤون من كلامةٍ مؤلف من جُمَلٍ كثيرةٍ في مراقي البلاغية الرفعية، وفي حُسْنِ وضْعِ كُلٍّ من الفصل والوصل في موضعه.
ولا تُكْتَسَبُ ملكةُ وضْع كلٍّ من الفصل والوصل في موضعه بالملائم بالتقائيّةِ إلاَّ بممارسةٍ طويلة، مع حِسٍّ فطريٌّ مُرْهف، وموهبة بلاغيّة ممتازة.
ويتفاوت الكلام بالفصل والوصل تفاوُتًا كبيرًا ارتقاءً أو نزولًا من المراتب البلاغيّة، ويتفاضل في هذا المجال أيضًا الكتّاب والشعراء والخطباء والْمُحَدِّثون.
وبالَغَ بعضهم فقال: البلاغة معرفة مواطن الفصل والوصل في الكلام (أي: العطف بالواو وترك العطف بها) .
(2) الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب
لمَّا كان الكلام هنا يتناول الْفَصْلَ والوصل في الجمل التي لا محلّ لها من الإِعراب، فمن المناسب أن نأخذ من النحويّين ما ذكروه من تفصيل لها، ليكون ذلك تمهيدًا لكلام البلاغيين حولها.
ذكر النُّحاةُ أنّ الْجُمَل التي لا محلَّ لها من الإِعراب تِسْعُ جمل، وهي ما يلي:
الأولى:"الجملة الابتدائية"وهي الّتي تكونُ في بدء الكلام، مثل: {*اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فهي جملة لا محلّ لها من الإِعراب.