فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 894

ويُعرف الأسلوب غير المباشر عند علماء البلاغة باسم (الكناية) ويدخل فيه ما يعرف عند علماء أصول الفقه باسم (المفهوم) أو باسم (الفحوى) فيقولون:"منطوق اللّفظ ومفهومه"سواء أكان المفهوم موافقًا أم مخالفًا. ويقولون:"فحوى الكلام"وهو عندهم كالمفهوم المقابل للمنطوق.

والمعنى المدلول عليه بهذا الأسلوب غير المباشر:

(أ) إمّا أنْ يكون معنى قريب التناول لا يحتاج إلى متابعة لوازم عقليّة متعدِّدة مثل قولنا للدّلالة على طول إنسان:"لا يدخل الأبواب إلاَّ وهو يخفض رأسه أو يتقاصر بجسمه".

ويمكن أنْ نمثِّل له بقوله الله تعالى: {وَأَحْسِنُو?اْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} أيْ: ويثيبهم ويدخلهم جنّات النعيم. لأنَّ من أحبّه الله أكرمه وأدخله في رحمته، فهذه من لوازم المحبّة. ونظيره في القرآن كثير.

ويدخل فيه مثل قوله الله تعالى في سورة (الإِسراء/17 مصحف/50 نزول) في بيان واجبات برِّ الوالدين:

{فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا...} [الآية:23] .

أي: ولا تفعل أيضًا ما هو أشدّ!، وهذا يفهم بداهة لأنّ من نُهِيَ عن القبيح الأخفّ فهو منهي عن القبيح الشديد والأشدّ لزومًا عقليًّا.

(ب) وإمّا أنْ يكون معنّى متوسّط البعد، يدركه الذهن دون تأمّل عميق، وينتقل مع لوازم منطوق اللّفظ إليه بغير مشقّة فكريّة.

مثل الكناية عن كَثْرة إطعام الضيفان عند البدو، أنْ يقول قائلهم فلان:"كثير الرَّماد"أيْ: مضياف جَوَاد. لأنَّ كَثرة الرّماد عندهم مِنْ كَثرة إيقاد النَّار، وكثرة إيقاد النَّار مِنْ كَثرة الطبخ عليها، وكَثْرة الطبخ تدلُّ على كَثْرة الضيوف بحسب العادة.

(ج) وإمَّا يكون معنّى بعيدًا، بسبب كَثْرة لوامه العقلية، أو بسبب أنَّ هذه اللَّوازم تحتاج إلى تعمّق في التفكير حتّى يدركها الذّهن، وغالبًا لا يدركها إلاَّ الأذكياء والعلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت