فقد حرّر علماء ضوابط ذلك في مبحث"الفصل والوصل"كما سيأتي بيانه في علم المعاني إن شاء الله تحريرًا كاملًا فيما أرى الآن، إلاَّ أنّ ضوابطهم تحتاج إلى تطبيقات واسعات على الأمثلة، لتدريب المهتمّين بفنون الأدب وصناعة الكلام.
فعلى رجال الدّعوة إلى الله أنْ يكونوا على بصيرة بمحاسن الفصل والوصل بيْن الجمل في الكلام، حتّى يكون كلامهم أرفع أدبًا، وأعظم تأثيرًا.
وأعظم معلِّم لمحاسن الفصل والوصل بيْن الجمل كِتاب الله ثم أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
* وأمّا المعنى فالنظر إليه يكون من جهات ثلاث:
الجهة الأولى: جهة كوْن المعنى له لفظ لغوي موضوع أو مستعمل في عُرْف النّاس أو في مصطلحاتهم للدّلالة عليه، أو ليس له لفظ يدلّ عليه.
الجهة الثانية: جهة الدّلالة على المعنى عن طريق الأسلوب الكلامي المباشر، أو عن طريق الأسلوب الكلام غير المباشر.
الجهة الثالثة: جهة المعاني أنفسها وقيمها الفكريّة والجماليّة.
والبحث العلمي الشامل المتّزن يأخذ بأيدينا إلى النّظر الثاقب في المعاني من هذه الجهات الثلاث.
وبنظرة عَجْلى وبحث أوّليّ متواضع أعقد لكل جهة من هذه الجهات الثلاث مقولة خاصّة بها.
اوّلًا - مقولة الجهة الأولى حول المعنى:
وهي كون المعنى له لفظ يدلّ عليه أو ليس له لفظ يدلّ عليه.
إنّ المعاني التي يمكن أنْ يحيط بها علم الإِنسان، أو يصل إليها إدراكُه الذهني، أو تخيُّلاته، تنقسم إلى قسيمن:
القسم الأول: هي المعاني التي لها ألفاظ لغويّة تدلّ عليها.
القسم الثاني: هي المعاني التي ليس لها ألفاظ لغويّة تدلّ عليها.
* مثل بعض الوجدانيّات والمشاعر النفسيّة التي لا يجد الشاعر بها ألفاظًا تدلّ عليها.
* ومثل بعض المركبات التخيّلية التي ليس لها أمثلة في الواقع.
* ومثل الغيبيّات التي لم يصل إلى حسّ النّاس أيّة صفة من صفاتها، ولكنْ أدركوا بعض آثارها، كالجاذبيّة قبل أنْ يتنبّه العلماء إليها ويضعوا لها اسمًا.