فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 894

فحذفَ أدامة النداء مُسْتَعطِفًا، لأنّه كان قريبًا منه جَسَدِيًّا، وأشْعَرَهُ بزيادة القرب منه نفسيًّا، إذْ هو أبْنُ أُمِّهِ.

وأمَّا في المرّة ا لأُخْرَى حِينَ أَخَذَ مُوسَى عليه السلام برأسِ هارون ولحيته محاسبًا، فقد ناداه بحرف النداء"يا"قائلًا لَهُ كما جاء في سورة (طَه/ 20 مصحف/ 45 نزول) :

{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) } .

أي: ولم تَرْقُبْ قَوْلي السّابقَ لَكَ: إنَّ الْقَومَ اسْتَضعَفُوني وكادُوا يَقْتُلُونَنِي"هذا فيما أرى والله أعلم".

فأنزل هارون أخاه موسى في هذا النداء الثاني منزلة البعيد، لأنّه لم يَرْقُبْ قولَهُ السّابِق لَهُ، أي: لم يضعه موضع المراقبة ليعمل بمقتضاه.

* ونلاحظ في خطاب الله لعباده في القرآن أنّه يُنزِّلُهُم مَنْزِلَة البعيدين عنه، فيناديهم بحرف النداء"يا"مع أنّه أقربُ إليهم من حبْلِ الوريد، مراعاةً لمقام الربوبيَّةِ الرفيع، في الأمر والنهي والتوجيه، إذْ هو سبحانه العليُّ الأعْلَى.

فجاء في النصوص القرآنية: يا عبادي - يا معشر الجنّ والإِنس - يا يَحْيَى - يا عِيسَى - يا داود - يا زكريا - يا أيُّها الناس - يا أيُّها النبيّ - يا أيُّها المزّمل - يا أيُّها المدَّثِّر"."

* وأنزل أبو العتاهية مخاطَبَهُ الذي يعظه منزلة البعيد، فناداه بأداة النداء التي للبعيد"أيَا"ليشير إلى أنه غافِلٌ لاهٍ في دُنياه، فهو بمثابة البعيد الذي يحتاج إلى أداة النداء التي يُنَادى بها البعيد، فقال:

*أَيَا مَنْ عَاشَ فِي الدُّنيا طَوِيلًا * وَأَفْنَى الْعُمْرَ فِي قِيلٍ وَقَالِ*

*وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ فِيمَا سَيَفْنَى * وَجَمَّعَ مِنْ حَرَامٍ أَوْ حَلاَلِ*

*هَبِ الدُّنْيَا تُقَادُ إِلَيْكَ عَفْوًا * أَلَيْسَ مَصِيرُ ذَلِكَ للزَّوَالِ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت