وكذلك إذا قال:"لا يَعْمَلُ أحَدٌ من أُسْرَتِنَا"فإنّه ينفي وُجوُدَ العمل ذي الحركة المتجددة بتتابع، ولا ينفي وجود أيِّ عمل ما.
وإذا قال قائل يَصِفُ وَادِيًا فيه رياضٌ غنَّاء:"النهرُ يَجْري، والزمانُ يَسِيرُ دُونَ مزْعِجَات، والرّيَاحُ تَعْبَثُ بالْغُصُون، والطُّيُورُ تَتَنَقَّلُ بين أَغْصَانِ الشَّجَر وَتُغَرِّدُ، ونحن نَسْتَمْتعُ بأنواعِ الطّيبات: فإنَّهُ يَدُلُّ بصِيَغ الفعل المضارع التي اسْتَعْمَلَها في الْجُمَلِ الَّتي قالها على أَنَّ الأحداث الّتي أخْبَر بها أحداثُ متجدّدة متكرّرة في المكان والزمان اللَّذَيْنِ تَحَدَّثَ عنهما."
وحين نقول:"الأرض تدور - والشمس تجري - واللَّيْلُ والنهار يتعاقبان - ولا يُوجَدُ شركاء لله في ربوبيّته ولا في إلَهيته".
فإنّ هذه الجمل تدُلُّ على دَوام التجدّد دون ملاحظة نهاية، ما لم تدلَّ قرينة عقليَّةٌ أو لفظيَّةٌ أو نصٌّ صريح عليها.
هذا هو الذي يتبادر من الاستعمال في كلّ جملة خبرية تشتمل على فعل مضارع، سواء أكانت الجملة اسميّة أم فعليّة.
وعلى متدبّر كتاب الله أن يُلاحظ هذه الدلالة، حتّى يكون على بصيرةٍ في تدبُّره.
أقول: يُلاَحَظُ في النُّصوصِ القرآنيّةِ كَثْرَةُ استعمال اسم الفاعل واسم المفعول دالَّين علَى ما يَدُّلُّ عليه الفعلُ المضارع من تَجَدُّد الحدوث وتكراره، ومنه قول الله عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) بشأن"عاد"قوم الرسول"هود"عليه السلام، إذْ أَنْفَذَ الله قَضَاءَه بإهْلاَكهم ونَجَاةِ هُودٍ والَّذِينَ آمنوا معه:
{فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (72) } .