فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 894

لكنّ العبّاس بن أحنف عبّر بعد ذلك بجمُود الْعَيْن كنايةً عن حالَةِ السُّرُور التي سَيَنالُها حينما يأتي الْفَرجُ بالوصْل بَعْد كثرة البكاء، في حين أنّ جُمَودَ العين يُعبَّرُ بِهِ كنايةً عن شُحِّهَا بالدُّموع عنْدَ حَاجةِ النفس إلى البكاء، ليكون في البكاء تخفيفٌ مِنْ آلاَم النفس بالفراق، أو مِنْ الحزن والكَمَد والتَّعَبِ والنّصب، فالشُّحُّ بالدمع يزيد في آلام النَّفس، ولَيْس من العلامات الدّالاّت على سرورهَا حتَّى يُكنَّى به عنه، ومن هُنا رَأَوْا أنّ في كلامِهِ تعقيدًا معنويًّا.

(2) ويُمْكن أن نُمثِّل للتعقيد المعنويّ بأن نقول: فَتَح السلطانُ أَبْوابَ السُّجُون.

ونحن نقصد بهذه العبارة أنّه نَشَر جُنْدهُ لملاحقة خصومه حتى يُودِعهم في السجون، مع أنّ المتبادر المتعارق في مثل هذه العبارة، أن تُقالَ لتكونَ كنايةً عن أنّه أخرج المساجين منها بإصدار عفوٍ عامٍّ عنهم، فاعتبارُهَا كنايةً عن المعنى المضادّ لهذا المعنى تعقيدٌ معنوي.

وقِسْ على هذا.

فصاحة المتكلم

المتكلّمن الفصيح هو من كان كلامه فصيحًا، وكان ذا ملكةٍ يقتدر بها على التعبير عن مقصوده بكلام فصيح، دون تَلَعْثُم، ولا تلكُّؤٍ، فما شاء من معنى استطاع التعبير عنه بيُسْرٍ وسُهولةٍ، وبكلام فصيح المفردات، وفصيح الْجُمَل والتّراكيب.

ومع الهبة الفطريّة لا يكون المتكلم فصيحًا في اللّسانِ العربيّ، حتّى يكون مُلمًّا باللّغة العربيّة، عالمًا بقواعد نحوها وصرفها، واسع الاطلاع على مفرداتها ومعانيها الدقيقة، كثير النظر في كتب الأدب، مطّلعًا على أقوال كبار الفصحاء، له درايةٌ بأساليب العرب في شعورهم ونثرهم وأمثالهم وكناياتهم ومجازاتهم، حافظًا لطائفةٍ جَمَّةٍ من عيون كلام فصائحهم وبلغائهم من أهل النثر وأهل الشعر، وأن يمارس موهِبَتَهُ بالتطبيقات العمليّة، حتَّى يكتسب مهارة التعبير عن مقاصده وما يجول في نفسه من معانٍ بكلامٍ فصيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت