قال العتّابي:"الألفاظُ أَجْسَادٌ، والْمَعَانِي أرواح، وإِنّما نَراها بَعَيْنِ القُلُوب، فَإِذا قَدَّمْتَ مِنْهَا مُؤَخَّرًا، أَوْ أَخَّرْتَ مِنْهَا مُقَدَّمًا، أَفْسَدْتَ الصُّورَةَ، وغَيَّرْتَ الْمَعْنَى، كَمَا لَوْ حُوِّلَ رَأْسٌ إلى مَوْضِعِ يَدٍ، أَوْ يَدٌ إلَى مَوْضِعِ رِجْلٍ، فإنَّ الْخِلْقَةَ تَتَحَوَّلُ، والْحِلْيَةَ تَتَغَيَّر".
قالوا: والفرزدق أكثر من استعمل التعقيد اللفظيّ في شعره، وكأنَّه كان يَقْصِدُ إلى ذَلِكَ، لأنّه لا يجري على لسانِ عربي إلاَّ متكلَّفًا مَصْنُوعًا، والفرزدقُ عربيٌّ أصيلٌ لا يشكو من عجمة حتّى تؤثّر عليه.
الأمثلة:
(1) من أمثلة التعقيد اللّفظيّ قول الفرزدق، يمدحُ إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خالَ هشام بن عبدالملك:
*وَمَا مِثْلُهُ في النَّاسِ إلاَّ مُمَلَّكًا * أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُهُ*
أي: وما مِثْلُ إبراهِيم في النَّاسِ حيٌّ يشبهه في فضائله غير مَلِكٍ أَبُو أُمِّهِ أبوه.
أصْلُ ترتيب الكلام: وما مثله في الناس حيٌّ يقاربُه إلاَّ مملَّكًا أَبُو أُمِّهِ أَبُوه، فقَدَّمَ وأَخَّرَ في الكلمات، فألْغَزَ إلْغازًا سَيِّئًا.
(2) وقولُ الْفَرَزْدَق أيضًا يمْدَحُ الوليد بن عبدالملك:
*إِلَى مَلِكٍ مَا أُمُّهُ مِنْ مُحَارِبٍ * أَبُوهُ وَلاَ كَانَتْ كُلَيْبٌ تُصَاهِرُهُ*
يريد: إلى مَلِكٍ أَبُوه ليستْ أُمُّه مِنْ مُحَارِبٍ، فقدّم وأخَّرَ فأبْهَمَ المعنى وألْغزَ وأفْسَد.
(3) ومن أقبح أمثلة هذا التعقيد اللفظي، قول أحدهم يصِفُ ديارًا درَسَتْ وعفَتْ آثارُها:
*فَأَصْبَحَتْ بَعْدَ خَطّ بَهْجَتِهَا * كَأَنَّ قَفَرًا رُسُومَهَا قَلَمًا*
أي: فأصبَحَتْ بعد بَهْجَتِهَا قَفْرًا، كأنَّ قَلَمًا خطَّ رُسُومَها.
ويبدو أنّ هذا البيت مصنوعٌ لإِبراز قباحة التعقيد اللفظي، إذْ ليس من المعقول أن يقوله ناطق عربي له فكرٌ ما.
رابعًا: