بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، نحمده سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد: فالمجلات غثاء وبلاء وبادئ ذي بدء أشير إلى أن العموم الذي في العنوان قطعًا ليس مقصودًا، فالمراد بالمجلات ليس كلها وإنما كثير منها، وكذلك هذا الكثير الذي وصف بأنه غثاء وبلاء ليس كل ما فيه كذلك، بل الغالب عليه والمعظم فيه إذ قد يوجد بين هذا الركام والغثاء بعض الآيات أو بعض الأحاديث أو بعض الموضوعات، لكن الغالب هو المقصود في هذا العنوان.
وهذا الموضوع أيضًا من وجهة أخرى تكمن أهميته في أن هذه الظاهرة - أي ظاهرة المجلات- أصبح لها بروز كبير وأثر خطير إذ إنها من حيث الإعداد، ومن حيث ما تزخر به من الفتنة والمخالفات الشرعية أصبحت ذات أثر غير محمود يحتاج إلى التنبيه والكشف والبيان، ومن بعد ذلك إلى التحذير والمناوءة والمخالفة لهذه الصورة التي نحب ألا تكون في بيئتنا ولا في مجتمعنا.
إن المتأمل ليجد من خلال هذه الوقفات أننا بالفعل أمام مشكلة تستحق أن تعرض، وأن يفصل القول فيها، وأن تكون الحقائق واضحة من حيث الأحكام الشرعية والمفاسد الاجتماعية، ومن حيث الوقائع والتفاعلات المترتبة على مثل هذه الظاهرة.
فعلى سبيل المثال: أول وقفة لنا هي مع بعض الإحصاءات الرقمية التي تبين لنا أن المسألة جديرة بالاهتمام وفيها من الخطورة ما فيها، فإننا نجد أولًا من خلال هذه الإحصاءات أن كمًا كبيرًا من هذه المجلات يغزو المكتبات والمحطات والبقالات، وانتشارها كبير وبأعداد كبيرة.
وأذكر على سبيل المثال: أن إحدى شركات التوزيع فقط مكلفة بتوزيع تسعة وخمسين ومائة جريدة ومجلة، وهذه شركة واحدة من بين ما لا يقل عن عشر شركات تقريبًا، والإحصاء يصل إلى نحو أربعمائة، ومن هذه الأعداد والمجلات ما هو يومي ومنها ما هو نصف أسبوعي، ومنها ما هو أسبوعي، ونصف شهري، وشهري.
وهذه الكثرة كلها سيتضح أيضًا أنها بحد ذاتها تلفت النظر، وهذا طبعًا جزء محدود وإلا فإن هناك أعدادًا إضافية لمثل هذه المجلات مما لا يصدر أو لا يدخل إلى بلادنا وهو متوفر وموجود في ديار أخرى من ديار العالم الإسلامي.
وعلى سبيل الإحصاء -حتى تتضح الصورة من خلال هذا الرقم البسيط- نجد أن كثيرًا من هذه المجلات متخصصة في موضوعات أقل ما يقال فيها: الأصل أنه ينبغي أن تكون في الدرجة الدنيا من الأهمية من حيث إنها ليست قضايا ينبغي أن تشغل الأمة، ولا تتعلق بانتصارها على أعدائها ونهوضها في علمها وتقدمها التكنولوجي والحضاري، أو قضايا تتعلق بدفاعها عن نفسها وحمايتها وثقافتها وتاريخها، وأغلب هذه المجلات لا تمس الجوانب الحيوية التي تتعلق بحياة الأمة.
ومن هذه الأرقام التسعة والخمسين ومائة نجد أن هناك ست عشرة مطبوعة خاصة بالرياضة، ومهما كان للرياضة -على أية تصور- من أهمية أو فائدة؛ إلا أن هذا العدد من المائة وتسعة وخمسين كثير جدًا، وأعتقد أن المسألة فيها مبالغة حتى من ناحية التكرار، فاللاعبون متحدون والمباريات واحدة والمناسبات واحدة، وكل الصحف تكتب عن هذا.
والمتأمل يجد أن القضية تأخذ جهدًا وتأخذ مساحات وأوقاتًا وأموالًا، فتجد أن المباراة الواحدة تكتب عنها عشرات الصحف والمجلات، وكل هذا في مباراة واحدة، والنتيجة واحدة، والأشخاص نفسهم، والحوادث هي هي.
وهذا يدل على أن هذا التكرار والزخم الذي تحظى به هذه القضية فيه نوع من التركيز على القضايا الهامشية وإعطائها الأولوية الأولى.
طبعًا: لو استعرضا الأسماء لهذه المجلات، نجد أن بعضها يدل على مزيد من الغثائية والسخافة، إذ إن هناك مجلات متخصصة في المصارعة الحرة.
وما يمكن أن يتخيل الإنسان في هذه المجلات؟ تصور المصارعين، وبدلًا أن يراهم جمهورًا متحركًا يراهم في صورة ثابتة، ويرى النتائج والمشادات التي حصلت، وكل المجلة من أولها إلى آخرها، ولا يستطيع الإنسان أن يخرج منها بفائدة مطلقًا، لا فائدة عقلية ولا فائدة علمية، ولا فائدة إيمانية ولا تطبيقية، ولا أية صورة من صور الفائدة.
فضلًا عن أن هناك مجلات متخصصة بكمال الأجسام، وهذه قطعًا فيها من المفاسد الشيء الكثير ككشف العورات، إلا أن فيها معنى لتجسيد القوة البشرية والعظمة، وكلها من أولها إلى آخرها نوع من الصور والتعليقات السخيفة عن تشكيل العضلات وإبراز القوى، والمنافسات والانتصارات التي تتم من خلال هذه الألعاب والمشاركات الرياضية.
وفي المقابل أيضًا: من خلال هذا العدد (تسعة وخمسين ومائة) نجد أن هناك ثلاث عشرة مجلة متخصصة في الفن، ومن أولها إلى آخرها وهي تتحدث عن الفن والفنانين والفنانات والمسرح وغير ذلك من أمور.
أما بقية ذلك مما سيأتي ذكره فالفن والرياضة لها في كل مجلة سياسية أو اجتماعية أو حتى علمية نصيب في كل الأعداد.
أيضًا: هناك مجلات متخصصة في المرأة، ونجد أن من هذا العدد ثماني مجلات متخصصة في المرأة فقط، ولا نقصد أنها متخصصة في المرأة أي أنها تعالج مشكلاتها، بل كلها تتحدث عن قضية المكياج والأزياء والمظاهر الاجتماعية التي أساسها مخالف للشرع، وكذا ما يتعلق به من العطور وما يتعلق به من التقاليد وما يسمونه الإتكيت والمظاهر الحضارية التي ينبغي أن تكون، وتسريحات الشعر وما إلى ذلك.
وأيضًا تجد هناك من السخافة والغثائية: أن هناك مجلات متخصصة في الرسوم المتحركة، وهذه سواء قد يظن البعض أنها خاصة بالأطفال والأمر خلاف ذلك، بل روادها وقراؤها من الصغار والكبار، والذي يشهد بذلك صفحات البريد، فتجد فيها أن من المراسلين من أعمارهم في السادسة عشرة والسابعة عشرة، ويسمونهم صغارًا، وقد كانوا في عصر مضى قوادًا وفاتحين، وكانوا خلفاء، وكان منهم علماء، وكان منهم مفتون، والآن هم صغار في هذه الهوة السحيقة من السخافة وتلف الفكر وتسطيح العقل.
وأيضًا نجد من هذه الصور المتحركة مجلات للكبار، فبدلًا من القصة المكتوبة التي يتعب فيها يجد قصة فيها الرسوم المتحركة، لكنها بصور حقيقية، وهذه المجلات أيضًا موجودة.