فهرس الكتاب

الصفحة 1491 من 2691

الأمر الثاني المتولد عما سبق هو العمل والإنتاج، فالهمة والعزة تتحول إلى عمل وإلى تواصل في الإنجاز وحرق المراحل، لكي يكون هناك ثمرة ظاهرة ونتيجة باهرة من خلال هذه الهمة؛ لأن صاحب الهمة لا يرضى بالقعود، ولا يرضى بالكسل والخمول، ولا يرضى إلا أن تكون كل ثانية من ثواني حياته مملوءة بما يتناسب مع طبيعة هذه المشاعر المتدفقة والعواطف المتأججة في نفسه، ولذلك نرى شباب الصحابة والشباب في مراحل التاريخ الإسلامي كلها في الأجواء الصحيحة والتربية الجادة كانوا دائمًا يأتون بالعجائب والإنجازات الباهرة، حتى في مجالات مختلفة، وأذكر على ذلك مثالًا في قصة زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهو الذي كان غلامًا صغيرًا في نحو السادسة عشرة من عمره، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام -كما في المسند عند الإمام أحمد: (اقرأ حرف يهود) أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم اللغة، فتعلم السريانية، وفي بعض الروايات أنه تعلمها في خمسة عشر يومًا، وفي بعض الروايات سبعة عشر يومًا، فكان يقرأ للرسول صلى الله عليه وسلم، وكان يكتب له.

وأيضًا زيد بن ثابت كانت له المهمة الفريدة التي جُعل من مؤهلاتها الشباب، ففي صحيح البخاري في الحديث المشهور في جمع القرآن قال أبو بكر عندما استدعى زيد بن ثابت: (إنك شاب عاقل لا نتهمك، كنت تكتب الوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فأول هذه الخصائص أنه شاب، والمهمة ثقيلة تحتاج إلى قوة، وتحتاج إلى عمل متواصل، فوكلها إلى هذا الشاب الفتي، مع ما عنده من الأمانة والعلم والخبرات السابقة كما يقال، ثم كلفه بجمع القرآن وكتابته، ومع أن الذي كان يحدثه هو أبو بكر خليفة المسلمين، ومعه عمر وزيره، وهما أفضل الصحابة وأكبرهم سنًا إلى غير ذلك، ومع ذلك كله قال بكل رباطة جأش وهمة تناسب الشاب: (كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) وهذا يدل على قوة هذه الشخصية، لكن بعد أن جاءت المراجعة وانشرح صدره لذلك قال: (فوالله لو كلفني نقل جبل من مكانه لكان أهون علي) ، ثم انطلق وبدأ في هذه المهمة، وأعانه عمر، ووضع الشروط والضوابط، والشهادة المطلوبة على كل ما هو مكتوب أنه ثبتت كتابته بأمر النبي عليه الصلاة والسلام أو بحضرته، وأتم هذه المهمة على أدق وأحكم وأمكن صورة ذكرت، ليستفاد من هذه الفتوة والحيوية والحماسة والقوة في حياة الشباب، والأمر في هذا يطول الحديث عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت