بما تحمله في صغره بعد ذلك [1] . ولذا فقد كان العلماء يحرصون على دفع أبنائهم لتحصيل العلم لا سيما إذا بدت على الطالب ملامح الذكاء والفطنة من صغره، وهذا ليس بمستغرب على بيت بني مندة فهم أعلام الحفاظ. ولذا يقول الذهبي في ترجمة ابن مندة: وقد أفردت تاليفًا بابن مندة وأقاربه، وما علمت بيتًا في الرواة مثل بيت بني مندة بقيت الرواية فيهم من خلافة المعتصم [2] ، وإلى بعد الثلاثين وستمائة [3] .
أسرته وأهل بيته:
ذكرنا كلام الذهبي في أن الرواية بقيت في بيت بني مندة من خلافة المعتصم إلى بعد الثلاثين وستمائة، وإليك نبذة مختصرة عن بعض أقاربه.
والده:
هو المحدث أبو يعقوب إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة، كان من أهل بيت الحديث والرواية، سمع عبد الله بن محمد بن النعمان وابن أبي عاصم والبزار، وابنه صاحب الترجمة مكثر عنه. توفي في رمضان سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة [4] .
جدّه:
هو الإمام الحافظ الرحال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مندة العبدي مولاهم الأصبهاني سمع إسماعيل بن موسى الفزاري السدي، وعبد الله بن معاوية، ومحمد بن سليمان وطبقتهم. حدث عنه أبو أحمد العسال، وأبو القاسم الطبراني، وأبو الشيخ، وأبو إسحاق بن حمزة، ومحمد بن أحمد بن عبد الوهاب، وكان ينازع أحمد بن الفرات ويراجعه وهو شاب.
قال أبو الشيخ:"هو أستاذ شيوخنا وإمامهم، أدرك سهل بن عثمان، ومات في رجب سنة إحدى وثلاثمائة" [5] وجده الأعلى مندة حدث بشيء يسير ومات في زمن المعتصم. وهكذا نرى أن بيت بني مندة بيت علم ورواية، وكان الأمر كذلك في أبنائه وأحفاده.
الفصل الثاني: حياته العلمية
إن الباحث في حياة الإمام الحافظ ابن مندة، يجد فيها مثال العالم العامل الدؤوب الجاد في تحصيل العلم والحرص على جمعه وتطبيقه في المسائل الدينية، لا سيما ما يتعلق منها بالأمور الاعتقادية، فهو الحافظ المحدث الذي لم يبلغ أحد مبلغه في كثرة الشيوخ الذين سمع منهم وأخذ عنهم، وهو بعد ذلك المصنف في الحديث وعلومه، وفي التفسير، والتاريخ، وفروع العقيدة، وذلك لعلمه أن مصدر العقيدة الإسلامية الصحيحة بعد كتاب الله تعالى السنة المطهرة. وسنحاول في هذا الفصل عرض جوانب من حياته العلمية.
طلبه علم الحديث:
إفادته من علماء أصبهان:
وقد أفاد ابن مندة عن عدد كبير من العلماء الأصبهانيين، ذلك أن عادة طلاب العلم الاستفادة بحديث أهل بلدهم قبل الرحلة في طلبة العلم، وكان ابن مندة كذلك، فقد بدأ بالتحمل من شيوخ بلده أصبهان، فسمع من أبيه وأكثر عنه، وعم أبيه عبد الرحمن بن يحيى بن مندة، ومحمد بن القاسم بن كوفي الكراني، ومحمد بن عمر بن حفص، وعبد الله بن إبراهيم المقري، ومحمد بن حمزة بن عمارة، وأبي عمرو بن حكيم، وعبد الله بن يعقوب بن إسحق الكرماني، وأبي علي الحسن بن محمد بن النضر وهو ابن أبي هريرة، وأحمد بن محمد اللنباني وخلق سواهم بأصبهان [6] .
رحلاته:
بدأت الرحلة في عصر الصحابة حيث انتشر الصحابة في الأمصار أيام الفتوحات الإسلامية حاملين معهم العلم الذي أخذوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا جميعًا على مستوى واحد في التحمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد يسمع هذا ما لا يسمعه الآخر، وقد يسمع أحدهم الحديث ثم ينساه، فكان أحدهم يرحل إلى الآخر، لسماع حديث لم يسمعه، أو للتثبت من حديث سمعه، وقد جاءت الأخبار عن رحلات العلماء لطلب الحديث بالعجيب المستغرب، فقد بلغ بهم الأمر أن يرحل الرجل
(1) علوم الحديث لابن الصلاح ص 114 - 115. تحقيق نور الدين عتر، الناشر المكتبة العلمية بالمدينة.
(2) خلافة المعتصم سنة 248 هـ البداية والنهاية 11/ 2.
(3) سير أعلام النبلاء 11 / ورقة 9.
(4) أخبار أصبهان لأبي نعيم 1/ 221 - 222 ط ليدن سنة 1934 م.
سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 9 عرضًا.
(5) طبقات المحدثين بأصبهان، لأبي الشيخ خ/ورقة 115 الظاهرية تحت رقم 65 تاريخ. وتذكرة الحفاظ 2/ 741.
(6) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 7/أ.