فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 389

في طلب الحديث الواحد مسافة شاسعة يواجه في سبيل ذلك الصعوبات والمشقات، فهذا جابر بن عبد الله رضى الله عنهما يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي فسرت إليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله، فقلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يحشر الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلًا بهمًا. قال: قلنا: وما بهمًا، قال ليس معه شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا كيف وإنا إنما نأتي الله عز وجل عراة غرلًا بهمًا. قال: بالحسنات والسيئات" [1] .

وحديث أبي أيوب في المسند، قال: حدثني أبي ثنا سفيان عن ابن جريج قال: سمعت أبا سعيد يحدث عطاء قال: رحل أبو أيوب إلى عقبة ابن عامر فأتى مسلمة بن مخلد فخرج عليه. قال: دلوني فأتى عقبة فقال: حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من ستر على مؤمن في الدنيا ستره الله يوم القيامة" [2] . فأتى راحلته فركب ورجع.

ثم اتسعت الرحلة في جيل التابعين، لأنه لا يمكن لأحدهم الإحاطة بعدد كبير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون الرحلة إلى الصحابة المتفرقين في الأمصار، لأن جمع الحديث لم يكن قد تم في هذه الفترة، رغم وجود بعض المدونات والصحف كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وهناك عامل آخر يدفع التابعين للرحلة وهو طلب الإسناد العالي فبدل أن يسمع الشخص بواسطة عن الصحابي يرحل إليه ليأخذ منه بنفسه. كما حدث الوضع في الحديث أيضًا فدعا المحدثين للرحلة لأخذ الحديث من مظانه الصحيحة بحثًا عن أصله وللتأكد من معرفة حال رواته، ورغم استقرار التدوين في القرن الثالث فإن الرحلة في طلب الحديث استمرت خلال القرن الرابع.

هكذا سن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون لهم الرحلة في طلب الحديث فأصبح ذلك من آداب الطالب، وقد مضى ابن مندة على سنن المحدثين من قبله فرحل في طلب العلم ولم يكتف بالأخذ عن الشيوخ الكثيرين بأصبهان، وفيما يلي عرض لرحلاته وأسماء بعض الشيوخ الذين أخذ عنهم في المدن التي زارها فقد كان واسع الرحلة في طلب الحديث وسماعه وتحصيله وجمعه وتصنيفه، إذ بقي في الرحلة زمنًا طويلًا.

رحلته إلى نيسابور:

تذكر المراجع أن بدء رحلته كانت إلى نيسابور وعمره حينذاك تسع عشرة سنة وأنه سمع بها نحوا من خمسمائة ألف حديث [3] ، فقد كان أول ارتحاله إليها قبل الثلاثين أو فيها [4] بعد الثلاثمائة فسمع بها من أبي حامد بن بلال ومحمد بن الحسين القطان، وأبي علي محمد بن أحمد الميداني، وحاجب بن أحمد، وأبي العباس الأصم، وأبي عبد الله بن الأخرم، وأبي بكر بن محمد بن علي بن محمد، ومحمد بن علي بن عمر، والحسين ابن محمد بن معاذ قوهيار، وأبي عثمان عمرو بن عبد الله البصري وطبقتهم.

رحلته إلى العراق:

نقل الذهبي عن الحاكم النيسابوري قوله: أول خروج ابن مندة إلى العراق من عندنا سنة تسع وثلاثين، فسمع بها وبالشام وأقام بمصر سنين وصنف التاريخ والشيوخ [5] ، ثم ذكر الذهبي أنه:

سمع ببغداد من إسماعيل الصفار، وأبي جعفر بن البختري الرزاز وطبقتهما [6] . وبدمشق من إبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان القنطري، وجعفر بن محمد بن هشام، وعلي بن يعقوب بن أبي العقب، وأبي عبد الله بن أبي مروان وانتخب عليه فوائده، وأحمد بن سليمان بن حذلم، ويحيى بن عبد الله بن الحارث الزجاج، وأبي الميمون البجلي، وأحمد بن القاسم بن معروف، وأبي بكر أحمد بن عبد الله بن أبي دجانة، وإسحق بن إبراهيم ابن هاشم الأذرعي وهارون بن محمد الموصلي، والحسن بن أحمد بن عمير، وعدي بن يعقوب الخطيب [7] .

وبمصر من أبي الطاهر أحمد بن عمرو المدايني، والحسن بن يوسف الطرائفي، وحمزة بن محمد

(1) حم/ 3/ 495.

(2) حم/ 4/ 153.

(3) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 7/أ.

(4) تذكرة الحفاظ 3/ 1033.

(5) سير أعلام النبلاء 11/ورقة 8/ب.

(6) سير أعلام النبلاء 11/ ورقة 7/أ.

(7) تاريخ دمشق لابن عساكر 15/ورقة 32 / ب، وسير أعلام النبلاء 11/ورقة 7/أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت