وهكذا استمر النشاط العلمي والتأليف في مختلف الفنون إلى أن جاء القرن الرابع الهجري حيث نضجت فيه العلوم كلها.
المكتبات العامة والمؤسسات التعليمية:
وقد أنشئت في هذا العصر المكتبات العامة لطلاب العلم، وكان مقرها المساجد حيث حلقات الدرس، ذلك أن من عادة العلماء أن يوقفوا كتبهم على الجامع فكان في كل جامع كبير مكتبة.
كما كان إلى جانب دور الكتب هذه، مؤسسات علمية أخرى تزيد على دور الكتب بالتعليم.
فمن تلك المؤسسات:
1 -مؤسسة جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي الفقيه الشافعي المتوفى عام 323 هـ فقد أسس دارًا للعلم في بلده وجعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفًا على كل طالب لعلم، لا يمنع أحد من دخولها، وإذا جاءها غريب يطلب الأدب معسرًا، أعطاه ورَقًا وورِقًا، وكان ابن حمدان يجلس فيها ويجتمع إليه الناس، فيملي عليهم من شعره وشعر غيره، ثم يملي عليهم حكايات مستطابة، وطرفا من الفقه وما يتعلق به [1] . اهـ.
2 -مؤسسة ابن حبان القاضي (المتوفى عام 354 هـ فقد بنى في مدينة نيسابور دارا للعلم وخزانة كتب، ومساكن للغرباء الذين يطلبون العلم وأجرى لهم الأرزاق، ولم تكن الكتب تعار خارج الخزانة) [2] .اهـ.
3 -جامع المنصور ببغداد، وهو أقدم مسجد جامع بها، وأشهر مركز للتعليم في المملكة الإسلامية، فقد جلس إبراهيم بن محمد نفطوية (المتوفى عام 323 هـ) - وكان من أكبر العلماء بمذهب داود الأصبهاني - إلى أسطوانة بجامع المنصور خمسين سنة لم يغير محله منها [3] .
4 -دار الحكمة بالقاهرة - وفي سنة 395 هـ فتحت الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت الكتب إليها من خزائن القصور المعمورة، ودخل الناس إليها، يقرؤون وينسخون، كما جلس فيها أصحاب النحو واللغة والأطباء والمنجمون، بعد أن فرشت الدار وزخرفت وعلقت على جميع أبوابها وممراتها الستور، وأقيم عليها قوام وخدام وفراشون، وكان في هذه الدار جميع ما يحتاج الرواد إليه من الحبر والأقلام والورق، وقد رصدت لها ميزانية كاملة لمن يقوم عليها ولما تحتاجه الدار [4] .اهـ.
ويذكر المقدسى أن الرسوم في جوامع القاهرة إذا سلم الإمام كل يوم صلاة الغداة وضع بين يديه مصحفا يقرأ فيه جزءًا ويجتمع الناس كما يجتمع على المذكرين، ... وبين العشائين جامعهم مغتص بحلق الفقهاء، وأئمة القراء، وأهل الأدب والحكمة، قال: ودخلتها مع جماعة من المقادسة فربما جلسنا نتحدث فنسمع النداء من الوجهين دوروا وجوهكم إلى المجلس فننظر فإذا نحن بين مجلسين، على هذا جميع المساجد، وعددت فيه - أي الجامع - مائة وعشرة مجالس [5] .
كما يذكر المقدسي أن ابن سوار الكاتب أحد رجال حاشية عضد الدولة (المتوفى عام 372 هـ) ، بنى دار كتب برام هرمز، ودارا بالبصرة، وفيهما إجراء على من قصدها ولزم القراءة والنسخ، وخزانة البصرة أكبر وأعمر وأكثر كتبا وفي هذه أبدًا شيخ يُدْرَسُ عليه الكلام على مذاهب المعتزلة [6] .
وهكذا فقد بلغت العلوم كلها في هذا العصر أعلى مستواها فإلى جانب التأليف في الحديث وعلومه بلغ الفقه الإسلامي أعلى مستواه فقد استقرت المذاهب الفقهية الكبرى وتوطدت أركانها.
كما اتخذ علماء اللغة منهجا يسيرون عليه، فبعد أن كان المتقدمون يضعون معارفهم بعضها إلى جانب بعض مفككة لا رباط بينها وكان اهتمامهم ينصب على الجزئيات، على حادثة واحدة أو صورة من صور التعبير واحدة، أو كلمة واحدة، كما يوجد في كتاب المبرد (المتوفى عام 285 هـ) فقد وضعوا في القرن الرابع منهجا منظما هو تحديد معاني الكلمات وعمل المعاجم والاشتقاق اللغوي [7] .
والأدب - وهو الصورة الصادقة المعبرة عما وصلت إليه الأمة من رقي سواء أكان شعرًا أم نثرًا بلغ ذروة التمام والكمال، وكان التقدير للكلام المنثور إلى جانب تقدير الشعر أيضا، ورسائل القرن الرابع الهجري هي أدق آية في ازدهار الفن الإسلامي [8] ،فهو فن برع فيه كتاب القرن الرابع وصيروه سنة يجري عليها الأصفياء [9] . وعمومًا فقد شملت النهضة في القرن الثالث والرابع جميع المعارف الإنسانية.
الباب الأول: في حياة المؤلف.
(1) الحضارة الإسلامية - في القرن الرابع الهجري - آدم متز 1/ 329 - ترجمة محمد عبدالهادي أبو ريده، نقلا عن الإرشاد لياقوت 2/ 420.
(2) الحضارة في القرن الرابع - لآدم متز، 1/ 329.
(3) الحضارة في القرن الرابع - لآدم متز، 1/ 332 - 333 نقلا عن الإرشاد 1/ 308.
(4) الخطط للمقريزي 1/ 458 - 459 طبعة مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع بالقاهرة.
(5) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، للمقدسي ص 205 طبعة ليدن سنة 1906.
(6) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، للمقدسي ص 413 طبعة ليدن.
(7) الحضارة في القرن الرابع - آدم متز 1/ 432 - 437.
(8) الحضارة في القرن الرابع - آدم متز 1/ 447.
(9) النثر الفني في القرن الرابع. زكي مبارك - 2/ 253 طبعة 1975 م.