فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 389

الخليفة عمر بن عبد العزيز، ابن شهاب الزهري [1] بجمع السنة وكتابتها.

يقول ابن شهاب:"أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دَفترًا فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا" [2]

فاعتبر علماء الحديث تدوين عمر بن عبد العزيز هذا أول تدوين للحديث ورددوا في كتبهم هذه العبارة:"وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز" [3]

وفي صحيح البخاري في كتاب العلم / باب كيف يقبض العلم. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم:"انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء". [4] ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي تدريب الراوي ما يفيد بأن أول من دون الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز ابن شهاب الزهري [5]

وقد نشط العلماء بعد ذلك في التأليف فظهرت مدونات حديثية مرتبة أحاديثها على الأبواب، منها المصنف ومنها الجامع. أما أول من صنف أو بوب فقيل عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري (150) بمكة. ومالك بن أنس (93 - 179 هـ) ، أو محمد بن إسحاق (151) بالمدينة. وسفيان الثوري (97 - 161 هـ) بالكوفة، وغير هؤلاء في بلدان مختلفة. وقد كان معظم هذه المصنفات والمجاميع يضم مع الحديث النبوي الشريف بعض فتاوى الصحابة والتابعين كما هو واضح من موطأ الإمام مالك رحمه الله. ثم تطورت فكرة التأليف في الحديث فرأى بعض العلماء أن تفرد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على حدة، فألفت المسانيد - وهي الكتب التي تضم أحاديث الرسول خاصة بأسانيدها، يجمع فيها أحاديث كل صحابي على حدة، وان كانت في مواضيع مختلفة. وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسى (133 - 204) وغيره كأسد بن موسى الأموي (- 220) ، وعبيد الله بن موسى العبسى (-213) ، ومسدد البصري (- 228) ، وغيرهم. واقتفى آثارهم الأئمة كإسحاق بن راهوية، وعثمان بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل (164 - 241 هـ) ويعتبر مسنده أوفى تلك المسانيد وأوسعها [6] .

ثم تلتها الكتب الستة وقد اقتصر الإمامان محمد بن إسماعيل البخاري (194 - 256 هـ) ، ومسلم بن الحسين القشيري (204 - 261 هـ) على الصحيح في كتابيهما على شرطهما. وكما حرص المحدثون على حفظ السنة النبوية بجمعها، كذلك عنوا بوضع القواعد والأسس التي تضمن معرفة الحديث الصحيح من الضعيف والموضوع حيث نشأ علم مصطلح الحديث.

وتبع ذلك التأليف في الرجال فألفت كتب في معرفة الصحابة، وكتب في تاريخ الرجال وأحوالهم، وكتب في الطبقات، وهي التي جعل مصنوفها الرجال على الطبقات، وذكروا أحواله طبقة بعد طبقة إلى عصر المؤلف. وكتب في معرفة الأسماء والكنى والألقاب والأنساب، وكتب في الجرح والتعديل، كل تلك الجهود بذلت للمحافظة على تنزيه السنة النبوية المصدر الثاني للعقيدة والتشريع. حماية لها مما أدخله عليها الوضاعون.

وبالتالي فان أزهى عصور الإسلام علمًا وثقافة واستقرارًا هو القرن الثاني وهو العصر الأول من عهد الدولة العباسية، فقد عاش في هذه الفترة أئمة هذا الدين ومنهم الأئمة الأربعة. إذ تجلت في هذه الفترة قوة الحكم واستقراره فقد ملك الخليفة عنان الدولة وبسط جناح نفوذه على رقعتها الكبيرة، كما أنه ساس فيها أجناسًا مختلفة العنصر والبيئة والثقافة، ومنح الناس حرية القول والعمل والاعتقاد، ما عدا المس بحق العباسيين في الخلافة، أو ما حدث من حمل علماء الدين على عقيدة لا يرون الحق في اعتقادها.

ولذلك فقد نشطت الحركة العلمية، وبدأت الترجمة لأن سيول الثقافة الأجنبية قد انصبت على المجتمع المسلم ووجدت تشجيعًا عظيمًا في عهد المأمون. الذي بنى دارا أسماها دار الحكمة جمع فيها الكتب المختلفة من فارسية ويونانية ثم نقلت إلى العربية، ولم تقتصر الترجمة على النافع منها في الأمور الدنيوية التي كان المجتمع المسلم في حاجة إليها، بل تدخلت في الإلهيات والأمور الغيبية الاعتقادية فنتج عن ذلك أفكار وعقائد تخالف العقيدة الصحيحة السليمة التي جاء بها الكتاب والسنة. وقد كان العالم الإسلامي في غنى عنها. ولكن الترف العلمي سمح لنفسه بتلك الثقافة فظهرت المذاهب والنحل. وحفلت مجالس الخلفاء والأمراء بالعلماء والفقهاء وغيرهم من أرباب العلوم والفنون.

كما أن الأجناس الداخلة في الإسلام وتحت لواء الدولة الإسلامية، حملت معها ما ورثته من عقائد وأفكار، بل وأساليب حياة وآداب، حتى أصبحت عاصمة الدولة الإسلامية وغيرها من المدن تموج بتلك الأفكار والمعتقدات، وتضطرب فيها المتناقضات من الطبائع والعادات، وقد نتج عن كل ذلك حضارة بكل ما فيها من خير وشر.

(1) ابن شهاب: هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري وكنيته أبو بكر، الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين/ع تقريب 2/ 207.

(2) السنة قبل التدوين ص 332 نقلا عن جامع بيان العلم وفضله 1/ 76.

(3) السنة قبل التدوين ص 332.

(4) فتح الباري 1/ 194.

(5) تدريب الراوي للسيوطي ص 41.

(6) قواعد التحديث للقاسمي الطبعة الثانية سنة 1380 هـ 1961 م تحقيق محمد بهجة البيطار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت