الدولة الإسلاميّة في القرن الرابع الذي عاش فيه الإمام ابن مندة من الناحية السياسية.
المبحث الثاني: الناحية الاجتماعية
رأينا أن الحالة السياسية كانت مضطربة إلى حد كبير في هذه الفترة من عهد الدولة العباسية، ولذلك فليس لنا أن نتوقع حالة اجتماعية طيبة ثابتة، اذ أدت تلك الأمور إلى اضطراب الحالة الاجتماعية في البلاد فأوجدت الرعب والفزع في قلوب الناس بحيث أصبح لا يطمئن أحد على نفسه وماله، فالحروب دائما تنهك البلاد وتقضى على مواردها الاقتصادية، فما يصلحه هذا الأمير في بلده يقضى عليه الغازي ويدمره، كما حصل الجدب والقحط في أكثر البلاد، وكثر اللصوص في العاصمة بغداد حتى تحارس الناس بالليل بالبوقات والطبول [1] : واشتد الغلاء ببغداد حتى أكل الناس الجيف، وصارت العقار والدور تباع برغفان خبز، واشترى لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم [2]
هكذا كانت حالة المجتمع في أكثر البلاد الإسلامية أحيانا، كما أن هناك حالات ترف مفرط يحدث في فترات متقطعة في قصور بعض الخلفاء وبعض الأمراء، فبالإضافة إلى التفتن في بناء القصور وزخرفتها وتزينها بالحدائق والبرك الرصاصية، وما يستغرقه ذلك من إتلاف كثير من الأموال، فقد يحصل ترف يصل إلى ارتكاب المعاصي من إحضار القينات المغنيات وإقامة حفلات الطرب والرقص والشراب المحرم، ولكن كثيرا ما يتبع ذلك عقوبة من الله عاجلة وتنكيل بأولئك المترفين تؤدي إلى المصادرة وأحيانا إلى سمل الأعين والقتل [3] جزاء وفاقًا.
المبحث الثالث: النّاحية العلمية
وإذا ضعفت المركزية في هذا العصر من الجانب السياسي بتمزق الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة، فإن الحضارة الإسلامية قد بلغت أوجها من جانب آخر، وتعددت مراكزها حتى أصبح العالم الإسلامي مشعل الدنيا ومنارها، ذلك أن هذا القرن قد قطف ثمار جهود القرون الثلاثة الأولى مما سهل على كل أهل علم وفن العمل والإتقان، فإن الحركة العلمية قد شملت مراكز تلك الدويلات في الوطن الإسلامي كله كما نالت تشجيعا عظيما من الخلفاء والأمراء.
لمحة موجزة عن تسلسل الحركة العلمية منذ القرن الأول:
كانت القريحة المتوقدة والذهن الصافي يساعدان العربي على الحفظ واستيعاب ما يسمعه ليستحضره عند الحاجة إليه: وكان أكثر الصحابة رضوان الله عليهم على جانب كبير من ذلك، فهم يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم وأقواله فيحفظون ذلك عنه، ما عدا القرآن الكريم فقد عنى الرسول عليه الصلاة والسلام بكتابته حيث جعل له جماعة من الكتبة يأمرهم بكتابة ما ينزل عليه، ويدلهم على أماكن الآيات التي تنزل من السور فيضعونها حيث يأمرهم.
وأما السنة النبوية فقد كان الاعتماد فيها على الحفظ ثم حدث أن كتب بعض الصحابة عنه أحاديث فنهاهم عن ذلك حيث قال:"لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" [4] . غير أن هذا النهى كان في أول الأمر خوفا من أن يلتبس القرآن الكريم بالسنة النبوية حيث سمح بعد ذلك لبعضهم بالكتابة.
وقد مضى القرن الأول من الهجرة النبوية والناس على ذلك يأخذ بعضهم عن بعض مشافهة ويكتب بعضهم ما يشاء في صحف وكراريس، وكانت تلك الكتابة لتقييد الأحاديث، كما كان يتخللها كتابة بعض الفتاوى، وبالتالي فهي كتابة لم تكن بشكل تأليف أو تصنيف، إلى أوائل القرن الثاني الهجري حيث أمر
(1) البداية والنهاية 11/ 208 سنة 332 هـ وشذرات الذهب 2/ 331 سنة 332 هـ.
(2) شذرات الذهب 2/ 335 سنة 334 هـ.
(3) كما حدث للخليفة القاهر. البداية والنهاية 11/ 178 سنة 322 هـ.
(4) م/ في الزهد /باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم 4/ 2298 ح 72.