فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 389

الطريقة السليمة هي التمسك بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، لعلي بذلك أكون قد قمت ببعض الواجب خدمة للعقيدة الإسلامية وابتغاء الأجر والمثوبة من الله تعالى، فكل خير في اتباع من سلف، ومن هذا العرض يعرف القارئ الفائدة من نشر هذا الكتاب القيم الذي ليس بين أيدينا في موضوعه مثله.

وقد كان الكتاب كبيرًا في مادته، وإن ظهر للناظر الصغر في حجمه فهو يبلغ مائة وثلاث ورقات، ولكن الصفحة تحوي أربعين سطرًا إلى اثنين وثلاثين سطرًا، وفي السطر ما لا يقل عن ست عشرة كلمة، ويكفي في التدليل على ذلك أنه اشتمل على أكثر من ألف حديث وقد وصفه الذهبي بأنه كبير، وهو كما قال. ولما تبيّن لي ذلك أردت أن أقتصر على جزء منه، وهذا أمر سائغ في التحقيق، إلاّ أن المشرف - جزاه الله خيرًا - رأى أن يؤخذ الكتاب كله ليكون موضوع الإيمان ومباحثه كاملة.

ولذا فقد استعنت الله تعالى ومضيت في تحقيق الكتاب وإخراجه ولذلك كان الموضوع: (كتاب الإيمان للحافظ ابن مندة - تحقيق ودراسة -)

وقد اقتضاني البحث أن أجعله على قسمين:

-قسم لدراسة حياة المؤلف.

-وقسم لدراسة الكتاب ومنهج التحقيق فيه.

القسم الأول: دراسة حياة ابن مندة

تمهيد في عصر المؤلف:

من المعلوم أنه من أراد أن يعطي فكرة عن شخصية من الشخصيات، وبيان لأثرها في المجتمع، لاسيما إذا كان لتلك الشخصية آثار وأعمال يتوارد ذكرها متناثرًا في كتب العلماء، أن يدرس الظروف المحيطة بها والبيئة التي عاشت فيها حتى يتمكن الباحث من الوقوف على العوامل والمؤثرات التي أدت إلى ظهور تلك الشخصية ونبوغها واتجاهها، ذلك أن الشخص يتأثر بالأحوال والظروف المحيطة به كما يتأثر بالبيئة وبمن حوله من أساتذته ومعلميه، كما يؤثر هو في تلاميذه من يحيطون به ويعاشرونه، فللأحوال السياسية والاجتماعية وغيرهما أثر في تكييف اتجاهه ومنهجه الذي يسلكه، من أجل ذلك كان لابد ونحن ندرس شخصية ابن مندة أن نعطي القارئ فكرة موجزة عن عصر ابن مندة من النواحي التالية:

1 -الناحية السياسية.

2 -الناحية الاجتماعية.

3 -الناحية العلمية.

المبحث الأوّل: الناحية السياسية في عصر ابن مندة من 310 هـ - 395 هـ

بدأ انقسام الدولة الإسلامية في القرن الرابع إلى دويلات صغيرة يسيطر على كل جزء منها أمير أو سلطان، وقد ذكر المؤرخون الأجزاء التي آلت إليها الدولة الإسلاميّة، فالبصرة مع ابن رائق يولي فيها من شاء، وخوزستان إلى أبي عبد الله البريدي، وفارس إلى عماد الدولة ابن بويه، وكرمان بيد أبي علي محمد بن إلياس بن اليسع، وبلاد الموصل والجزيرة وديار بكر ومضر وربيعة مع بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج الأَخشيدي، وبلاد أفريقية والمغرب في يد القائم بأمر الله ابن المهدي الفاطمي، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموي، وخراسان وما وراء النهر في يد السعيد نصر بن أحمد الساماني، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، والبحرين واليمامة وهجر في يد أبي الطاهر سليمان بن سعيد الجنابي القرمطي، فضعف بذلك أمر الخلافة حتى إنه لم يبق للخليفة حكم في غير بغداد وأعمالها [1] ، بل إن البويهيين قد استبدوا بأمور الدولة دونهم فلم يبق للخليفة العباسي إلا الرسم والاسم، حتى إنهم شاركوهم في بعض مظاهر الخلافة، فكان الأمير البويهي يصدر الأوامر وعلى الخليفة توقيعها لتأخذ الصفة الشرعية أمام الرأي العام.

أما ماعدا بغداد فقد استقل نواب الأطراف أو سلاطينها على الأصح بالتصرف فيها، غير أنه مع هذا التمزق للدولة الإسلامية وتوزيعها إلى دويلات صغيرة فقد بقي شبح الخلافة ماثلًا في الأذهان، حيث التزم أمراء تلك الدويلات بالاعتراف بالسيادة العليا للدولة، فكانوا يدعون للخليفة العباسي في المساجد، ويشرون منه ألقابهم ويبعثون إليه بالهدايا في كل عام، لكن النزاع السياسي والحروب الناتجة عن تلك الأطماع بين أولئك الأمراء أو ملوك تلك الطوائف لم تنقطع، مما أدى إلى ضعف الدولة الإسلامية، فبعد أن كانت الفتوحات الإسلامية تمتدّ شرقًا وغربًا لدعوة الناس إلى توحيد الله تعالى وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور الإسلام، ومن جور الحكام إلى عدل الإسلام، أصبح أعداء الإسلام يطمعون في النيل منه، ومن أهله بسبب تلك الفرقة وذلك التشتت، حتى إنهم هاجموا المسلمين في ديارهم [2] ، هكذا كانت

(1) البداية والنهاية 11/ 184 سنة 324 هـ، وشذرات الذهب 2/ 305 سنة 325 هـ.

(2) من الأدلة على ذلك أن ملك الروم طلب من أهل ملطية الجزية فامتنعوا، فدخلها بجيشه عنوة واستباحها وقتل من أهلها خلقًا كثيرًا، البداية والنهاية 11/ 153.

وملطية: بفتح أوله وثانية وسكون الطاء وتخفيف الياء، والعامة تقوله: بتشديد الياء وكسر الطاء، وهي من بناء الإسكندر، وجامعها من بناء الصحابة، بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام وهي للمسلمين، قال خليفة بن خياط: في سنة 140:"وجه أبو جعفر المنصور عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لبناء ملطية فأقام عليها سنة حتى بناها وأسكنها الناس وغزا الصائفة، ذكرها المتبني فقال: ملطية أم للبنين ثكول"، معجم البلدان لياقوت 5/ 192 - 193، وفي سنة 315 هـ أخذت الروم شمشاط واستباحوها وضربوا الناقوس في الجامع، ولكن هزموا بعد ذلك على أيد المسلمين، البداية والنهاية 11/ 154. وشمشاط: بكسر أوله وسكون ثانيه وشين مثل الأول وآخره طاء مهملة، مدينة بالروم على شاطئ الفرات وسميساط: بسينين مهملتين على الفرات، إلا أن ذات الإهمال من أعمال الشام، وتلك في أطراف أرمنية". اهـ. معجم البلدان 3/ 362. وفي سنة 351 هـ دخل الروم إلى حلب صحبة الدمستق ملك الروم في مائتي ألف مقاتل وقتلوا خلقًا كثيرًا ونهبوا الأموال وأخذوا الأولاد والنساء، كما دخلوا عين زربة قبل ذلك فهدموا الجامع وكسروا المنبر وقطعوا من حول البلد أربعين ألف نخلة، راجع البداية والنهاية 11/ 239 - 240، وشذرات الذهب 3/ 7، وعين زربة: من الثغور قرب المصيصة، وفي سنة 358 هـ يقول ابن كثير:"وفيها عاث الروم في الأرض فسادًا وأحرقوا حمص وأفسدوا فيها فسادًا عريضًا وسبوا من المسلمين نحوًا من مائة ألف إنسان، فإنا لله وإنا إليه راجعون". البداية والنهاية 11/ 266."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت