وثلاثين وأربعمائة هجرية، وأظهروا مذهب التشيع قويت بهم الشيعة فأظهروا ما كانوا يخفون من بغض الصحابة، فكتبوا على أبواب المساجد في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة هجرية لعن معاوية وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، فمحته أهل السنة [1] . وكثرت ببغداد الفتن بين السنة والشيعة.
وبتعريب المأمون لكتب الفلسفة انتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس واشتهرت مذاهب الفرق من القدرية والجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في الفلسفة وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فانجرّ بذلك على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين [2] .
ولما شاعت هذه النحل التي شتّتت جماعة المسلمين فرقًا وأحزابًا إذ أنها دخلت عليهم من أعدائهم، وصار الناس يبتعدون عن هدى الكتاب والسنة في المسائل العقدية؛ ومن تلك المسائل العقدية التي حدث الخلاف فيها مسألة الإيمان وهل هو تصديق القلب فقط، وأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، كما يقول غلاة المرجئة، أو أنه إقرار باللسان فقط، كما يقول الكرامية، أو يضاف إلى التصديق بالقلب الإقرار باللسان كما يقوله الماتريدية أو أنه عمل الطاعات كلها بالقلب واللسان والجوارح، ومن ترك واحدًا منها كفر وحكم عليه بالخلود في النار، كما يقوله الخوارج. أو أنه اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالجوارح وأنه لا يكفر مرتكب الكبيرة كما يقول أهل السنة والجماعة، وهل يصح الاستثناء في الإيمان أوْ لا، ومسائل أخرى في هذا الباب.
هذه الخلافات العقدية التي دخلت على العقيدة الإسلامية الصحيحة دعت علماء السنة إلى أن يؤلّفوا الكتب والمقالات التي تردّ على هؤلاء المتكلمين شبههم وتبين للناس العقيدة الصحيحة السليمة، كما جاءت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكما فهمهما أصحابه الذين سلكوا سبيله واتبعوا هديه، وسأذكر بعضا ممن ألّف في الإيمان قبل ابن مندة وبعده.
فممن ألف في الإيمان كتابًا مستقلًا قبل ابن منده.
-أبو عبيد القاسم بن سلام (157 - 224 هـ) مطبوع.
-والحافظ أبو بكر بن أبي شيبة (159 - 235 هـ) مطبوع.
-والإمام أحمد بن حنبل.
-والإمام الطحاوي.
ألفا في الإيمان، ولكن ذلك التأليف في حكم المفقود.
-أما من ألف في الإيمان ضمن مصنف عام فالإمام البخاري؛ فقد ضمن كتابه الصحيح كتاب الإيمان.
-وكذلك الإمام مسلم ضمن كتابه أيضا كتاب الإيمان، ويأتي وصف طريقتهم عند ذكر منهج ابن منده في كتابه الإيمان. وابن تيمية ألف كتابًا في الإيمان سلك فيه طريقة من سبقه من حيث إيراد النصوص الشرعية من الكتاب والسنة مبينًا وجهة الدلالة منها.
كما ذكر أقوال المخالفين وردّها بالحجج البينة الواضحة النقلية والعقلية، فهو لا يكتفي بإيراد النص الذي يرد على المخالف كما فعل بعض السلف في تأليفهم للرد على المخالفين - وإنما يورد النص وعلى ضوئه يناقش المخالف حتى يدحض حجته بالنص الصحيح مع العقل الصريح.
أسباب اختيار الموضوع:
أما أسباب اختيار الموضوع فيمكن تلخيصها في الأمور التالية:
1 -قيمة الكتاب العلمية في الشكل والموضوع، فهو غزير المادة، حسن الترتيب.
2 -اعتماد المؤلف على مصادر العقيدة الأصلية، الكتاب والسنة.
3 -علق بأذهان كثير من طلاب العلم بعض الشبه التي أثارها المعتزلة حول السنة الثابتة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أنه لا يحتج بها في العقائد كأخبار الآحاد الصحيحة، ومن أجل ذلك نفوا رؤية الله تبارك وتعالى في الآخرة بحجة أن الأخبار المروية فيها أخبار آحاد، والآحاد لا تثبت بها عقيدة؛ مع ضم اعتقاد آخر وهو نفي الجهة عن الله تعالى وهي صفة العلو؛ فأردت أن أبيّن أنّ طريقة السلف في إثبات العقائد هو اعتمادهم على صحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان الخبر متواترًا أم آحادًا، وكتاب الإيمان هذا قد اشتمل على عدد كبير من أحاديث الصحيحين في مسائل من الإيمان، والأمة قد تلقت ما جاء في الصحيحين بالقبول لا يفرقون في ذلك بين الأحكام والعقائد، ولا بين أخبار الآحاد والمتواتر وسوف أشير في مواضع من الكتاب لكلام ابن حجر وغيره حول الاحتجاج بأخبار الآحاد في العقائد والأحكام، وهل امتثال الأحكام إلا عن عقيدة؟.
وأمر آخر تضمنه هذا الكتاب، وهو أن إثبات العقائد عن السلف مبني على النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ولا رجوع لقول أحد من الناس ما لم يكن عنده دليل من كتاب الله وسنة رسوله.
كما أردت بنشر هذا الكتاب أيضًا المشاركة بإخراج كتاب كامل في موضوعه من تراثنا الإسلامي يخدم العقيدة الإسلامية التي أصبحت تتجاذبها الأهواء والبدع والشبه المضلة، لنعرف من خلاله طريقة سلفنا الصالح في إثبات العقيدة الصّحيحة، ورد الشبه الواردة عليها على منهج يرضاه كل مؤمن وهو أن
(1) شذرات الذهب 3/ 7.
(2) الخطط للمقريزي 2/ 358.