يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [1] .
فدل ذلك على أن من آمن فهو مسلم. وأن من استحق أحد الاسمين استحق الآخر إذا عمل بالطاعات التي آمن بها، فإذا ترك منها شيئا مقرا بوجوبها كان غير مستكمل فإن جحد منها شيئا كان خارجا من جملة الإيمان والإسلام، وهذا قول من جعل الإسلام على ضربين، إسلام يقين وطاعة، وإسلام استسلام من القتل والسبي، قال الله عز وجل: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} وقال: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [2] .
1 - (165) أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، وعبد الله بن إبراهيم قالا: ثنا أبو مسعود، أنبا عبد الله بن نمير، ح/ وأنبا محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا محمد ابن شاذان، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال:"قل آمنت بالله ثم استقم" [3] . اهـ
زاد ابن نمير قال:"قلت: ما أكثر ما تخاف علي فأشار بيده إلى لسانه". اهـ.
رواه جماعة عن هشام، منهم أبو أسامة، وابن نمير وغيرهما، وروى إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز العامري، عن سفيان بن عبد الله نحوه [4] . اهـ.
2 - (166) أنبا أحمد بن إسحاق بن أيوب، ثنا محمد بن حرب، ثنا أبو الوليد، وأبو عمر حفص بن عمر، قالا: ثنا شعبة أخبرني علقمة بن مرشد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، أن رسول الله صلى الله عليه (وسلم) قال:"المسلم إذا سئل في القبر فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} ". اهـ. رواه غندر وجماعة، ورواه الثوري. أخرجه البخاري [5] عنهما [6] . اهـ.
(1) النمل / آية 81.
(2) الحجرات / آية 14.
(3) أخرجه م/ تقدم ص 207 ح 19.
(4) تقدم ص 278 ح 20.
(5) في الجنائز. باب ما جاء في عذاب القبر، فتح الباري 3/ 231 ح 1369 ولفظه: (إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله) . به.
وفي التفسير، باب {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} ، فتح الباري 8/ 378 ح 4699 ولفظه: المسلم إذا سئل في القبر. به ..
(6) التعليق:
موضوع الإيمان والإسلام وهل هما متغايران أو مترادفان من أكثر الموضوعات بحثا، فقد اختلف العلماء في ذلك وصنفوا فيه الكتب والمقالات، وقد ذكر المصنف في الفصل السابق لهذا بعض القائلين بالفرق بينهما وأن الإسلام غير الإيمان، ومن القائلين بهذا القول، الإمام أحمد بن حنبل، وحماد بن زيد، والزهري وغيرهم، وقد ذكر من أدلتهم على ذلك قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} الآية. ففرقت الآية الكريمة بين الإسلام والإيمان حيث أثبتت لهم الإسلام ونفت عنهم الإيمان، فدل ذلك على تغايرهما. وحديث جبريل عليه السلام، حين سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان، فأجابه بما يفيد التفريق بينهما، إذ خص الإيمان بالأعمال القلبية الاعتقادية، والإسلام بالأعمال الظاهرة.
وحديث سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه، وقوله في الرجل الذي أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم غيره وتركه، إني لأراه مؤمنًا. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أو مسلمًا". بما يفيد ظاهرة التفريق بينهما.
وحديث أبي هريرة أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة". وفي الرواية أخرى:"لا يدخل الجنة إلا مؤمن".
هذه خلاصة أدلة القائلين بالفرق بينهما.
أما القائلون بالترادف فمنهم الإمام البخاري ومحمد بن نصر المرزوي والمصنف وغيرهم.
وقد ساق المصنف الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة الدالة على الترادف بينهما كما ترى. ثم ضمن ذلك الرد على الاستدلال بالآية الكريمة وهي قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} ، حيث قال بعد ذكره الأدلة على الفرق بين الإيمان والإسلام، وهذا القول من جعل الإسلام على ضربين، إسلام يقين وطاعة وهو المرادف للإيمان. وإسلام استسلام من القتل والسبي وهو مخالف للإيمان الشرعي الحقيقي.
ثم أورد الآية {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} . وهو ما ارتآه البخاري في الآية حيث قال في صحيحه في كتاب الإيمان / فتح الباري 1/ 79، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} . فإذا هو على الحقيقة فهو على قوله جل ذكره {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} . ويقصد البخاري رحمه الله هنا من الإسلام الحقيقة الشرعية وهو الذي يرادف الإيمان عنده، وينفع عند الله بدليل إيراده بعد الآية حديث سعد بن أبي وقاص الذي أورده المصنف دليلا للقائلين بالفرق بينهما، وذلك لأن الإسلام يطلق على من أظهر الإسلام وأبطن الكفر فلا يكون مؤمنًا لأنه ممن لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية، وإنما هو الإسلام اللغوي أي الاستسلام.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان 7/ 365 - 367 معلقًا على كلام محمد بن نصر المرزوي الذي يقول فيه:"وقد ذكرنا تمام الحجة في أن الإسلام هو الإيمان وأنهما لا يفترقان ولا يتباينان"قال:"ومقصود محمد بن نصر المروزي رحمه الله: أن المسلم الممدوح هو المؤمن الممدوح، وأن المذموم ناقص الإسلام والإيمان، وأن كل مؤمن فهو مسلم وكل مسلم فلا بد أن يكون معه إيمان وهذا صحيح وهو متفق عليه."
ومقصوده أيضا أن من أطلق عليه الإسلام أطلق عليه الإيمان وهذا فيه نزاع لفظي.
ومقصوده أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر وهذا لا يعرف عن أحد من السلف، وإن قيل إنهما متلازمان، فالمتلازمان لا يجب أن يكون هذا هو مسمى هذا، وهو لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام المشهورين، أنه قال: مسمى الإسلام هو مسمى الإيمان كما نصره. ثم خلص إلى القول بأنه إن قيل إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر كالروح والبدن فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن والإسلام كالبدن ولا يكون البدن حيًا إلا مع الروح بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر". ا هـ."
ويقول أبو حنيفة رحمه الله في الفقه الأكبر ص 90 بعد أن فرق بين الإيمان والإسلام من طريق اللغة قال:"ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام. ولا إسلام بلا إيمان فهما كالظهر مع البطن".
ومعناه أنه لا يوجد في اعتبار الشريعة أحدهما دون الآخر فهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر كالظهر والبطن بالنسبة للإنسان، فكما أنه لا يوجد للإنسان ظهر بلا بطن، ولا بطن بلا ظهر، فكذلك لا يوجد إسلام بلا إيمان ولا إيمان بلا إسلام. هذه خلاصة الأقوال التي توصلت إليها في الفرق بين الإسلام والإيمان.
والذي أختاره:
أولا: بالنظر إلى المعنى اللغوي فلا شك أن لكل واحد منهما مسمى غير مسمى الآخر، فالإسلام هو الاستسلام والانقياد لقوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} . أي انقاد.
والإيمان: هو التصديق لقوله تعالى {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} . أي بمصدق
ثانيا: وأما بالنظر إلى الإيمان الشرعي فأقرب الأقوال القول بالتلازم بينهما وذلك لأنه يفيد أن مسمى أحدهما غير مسمى الآخر، وقد وردت الأدلة بذلك وتقدم ذكرها، وهي أدلة شيخ الإسلام ابن تيمية.
ويضاف إلى هذا القول بأنه إذا اجتمعا افترقا كما في حديث جبريل عليه السلام فقد خص فيه الإيمان بالأعمال القلبية والإسلام بالأعمال الظاهرة.
وإذا انفرد أحدهما شمل الآخر بالتلازم كما في حديث وفد عبد القيس (أتدرون ما الإيمان) ثم فسره بما فسر به الإسلام في حديث جبريل عليه السلام وكما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .
فلا يمكن أن يكون هذا الإسلام المقبول إلا ملازما للإيمان. والله أعلم.