عليه (وسلم) فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل الذي ذكرت أنه من أهل النار قد والله قاتل في سبيل الله أشد القتال وكثرت به الجراح. فقال النبي صلى الله عليه (وسلم) :"أما إنه من أهل النار"، فكاد بعض الناس يرتاب، فبينما هو كذلك وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها سهاما فانتحر بها، واشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه (وسلم) فقالوا: يا رسول الله صدق الله حديثك قد انتحر نفسه. فقال النبي صلى الله عليه (وسلم) :"يا فلان قم فناد لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر". [1] اهـ. روى عن عقيل وغيرها. اهـ.
وقال الزهري عن سعيد، وعبيدالله بن عبد الله، عن أبي هريرة. اهـ. ورواه عكرمة عن سماك الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر، ذكرناه في غير هذا الموضع [2] . اهـ.
(1) إسناده صحيح وأخرجه: خ/ في المغازي، باب غزوة خيبر، فتح الباري 7/ 471 ح 4203 من طريق أبي اليمان، أخبرنا شعيب به.
(2) التعليق:
المصنف لا يرى فرقًا بين الإيمان والإسلام كما يأتي رأيه في الفصل التالي لهذا، وإنما يورد بعض أسماء القائلين بهذا القول وأدلتهم، وقد ذكر تحت هذه الترجمة قول الزهري: الإسلام الكلمة والإيمان العمل.
والمراد بالكلمة شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ثم رواية الإمام أحمد بن حنبل عن حماد بن زيد وأنه كان يفرق بين الإسلام والإيمان فيجعل الإيمان خاصا بالله تعالى، أي أن علمه عند الله لأن الإيمان من أعمال القلوب كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والمطلع على ما في القلوب هو الله وحده. بخلاف الإسلام فيجعله عاما. أي إن الناس يطلعون عليه أيضا وذلك لأنه مختص بالأعمال الظاهرية، كالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج.
كما أورد سؤال عبد الملك الميموني للإمام أحمد وهل يفرق بين الإسلام والإيمان فأجابه بقوله: نعم، محتجا لذلك بقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} حيث فرقت الآية الكريمة بين الإسلام والإيمان، فأثبتت لهم الأول ونفت الثاني وهذا ظاهر في أن أحدهما غير الآخر.
وقد أتبع هذه الأقوال بالأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على الفرق بين الإسلام والإيمان ... منها حديث ابن عمر رضى الله عنه، في سؤال جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم، عن الإسلام والإيمان، وقد أجابه صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما حيث خص الإسلام بالأعمال الظاهرة، وهي الشهادة لله بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ثم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج.
وخص الإيمان بالأعمال القلبية كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
وحديث عامر بن سعد عن أبيه وفيه أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا وترك رجلا وهو أعجبهم إلى سعد قال: فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساررته فقلت: مالك عن فلان والله إني لأراه مؤمنا. قال:"أو مسلما"وفي الرواية الثانية أقولها ثلاثا فيردها ثلاثا.
وحديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي يدعي الإسلام وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيه أنه من أهل النار، وقد قاتل الرجل قتالا شديدا مع المسلمين فلما أثبتته الجراحة قتل نفسه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذلك لبلال:"نادى أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة".
وفي الرواية الأخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان قم فناد لا يدخل الجنة إلا مؤمن.
فقد فرق الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديثين بين الإيمان والإسلام. وقد يقال: إن حديث أبي هريرة رضى الله عنه لا دليل فيه للفرق بين الإسلام والإيمان. إذ يرجح أن الرواية فيه جاءت بالمعنى وذلك لأن قصة واحدة، فمن المحتمل أن الراوي عبر مرة بلفظ الإسلام وأخرى بلفظ الإيمان.
وقد تبين من هذه الأدلة أن الإسلام مغاير للإيمان، فقد خص الإسلام بالأعمال الظاهرة. والإيمان بالأمور الاعتقادية.
وقد أشرت في أول البحث أن المصنف لا يرى هذا الرأي و إنما يرى الترادف بين الإيمان والإسلام، وسيأتي ذلك في الفصل التالي وهناك سنورد أقوال الأئمة لنرى أيها أقرب إلى الدليل لنأخذ به - إن شاء الله - وقول الإمام أحمد رحمه الله"أقول مؤمن إن شاء الله. وأقول مسلم ولا أستثني". هذه المسألة هي المعروفة بالاستثناء في الإيمان.
وقد منعها قوم بحجة أن هذا شك في الإيمان وإيمان الشاك غير صحيح، وأجاز الاستثناء في الإيمان السلف وبينوا وجه ذلك الاستثناء، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان 7/ 438 - 439:"مذهب السلف أصحاب الحديث كابن مسعود وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة ويحيى بن سعيد القطان، فيما يرويه عن علماء أهل البصرة وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يستثنون في الإيمان وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال أنا أستثنني لأجل الموافاة، وأن الإيمان إنما هو اسم لما يوافي به العبد ربه بل صرح الأئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى فإن ذلك مما لا يعلمونه، وهو تزكية لأنفسهم بلا علم".
وقال في ص 446:"والمأخذ الثاني في الاستثناء أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر ثم نقل أقوالا عن الإمام أحمد وغيره تبين أن الاستثناء في العمل فقال في ص 450 - 451:"فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائدًا إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور". قال:"وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان فقال: نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافة واحتياطا للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري قال الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله".
فبين أحمد أنه يستثني مخافة واحتياطا للعمل فإنه يخاف أن لا يكون قد كمل المأمور به فيحتاط بالاستثناء، وقال:"على غير معنى شك يعني من غير شك مما يعلمه الإنسان من نفسه، وإلا فهو يشك في تكميل العمل الذي خاف أن لا يكون كمله، فيخاف من نقصه ولا يشك في أصله". ا هـ والمقصود من إيراد مسألة الاستثناء في هذا الفصل بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام القول وهو الكلمة كما في قول الزهري وقد جاء به فلا يستثنى. والإيمان العمل ولا يدري أأتى به كاملا أم لا فيستثنى. من أجل ذلك. والله أعلم.