وهرقل سقفه على نصارى الشام [1] يحدث أن هرقل حين قدم إيليا أصبح يوما خبيث النفس [2] فقال له بعض بطارقته: لقد أنكرنا هيئتك. فقال ابن الناطور: وكان هرقل رجلا حزاء [3] ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ فقالوا: ليس يختتن غير اليهود فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود، فبينا هم على أمرهم ذلك أتى هرقل رجل أرسل إليه غسان [4] يخبره عن خبر رسول الله صلى الله عليه (وسلم) فلما استخبره هرقل، قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ 19/ أ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، فسأله عن العرب أيختتنون فقال له: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، وكتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق هرقل على خروج رسول الله صلى الله عليه (وسلم) وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له [5] بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال بينهم: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتتبعوا هذا الرجل، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد أغلقت فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من إيمانهم قال: ردوهم علي وقال: إني قلت مقالتي التي قلت أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت الذي أحب منكم فسجدوا له ورضوا عنه وكان ذلك آخر شأن [6] هرقل. اهـ.
(1) قوله (سقفه على نصارى الشام) الأسقف عالم من علماء النصارى ورؤسائهم وهو اسم سرياني. النهاية 2/ 339.
(2) قوله: (خبيث النفس) أي ثقيلها كريه الحال. النهاية 2/ 5.
(3) قوله: (حزاء) الحزاء والحازي الذي يحرز الأشياء ويقدرها بظنه، يقال حزوت الشيء أحزو وأحزيه. ويقال لخارص النخل الحازي، وللذي ينظر في النجوم حزاء، لأنه ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره فربما أصاب. النهاية 1/ 370.
(4) في البخاري: أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان ....
(5) قوله: (في دسكرة له) الدسكرة: بيوت الأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي أو بناء كالقصر حوله بيوت. القاموس 2/ 29.
(6) إسناد ابن مندة صحيح، والحديث متفق عليه أخرجه خ/ في بدء الوحي فتح الباري 1/ 31 ح 7 من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع به.
وم / في الجهاد، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام 3/ 1393 ح 74.من طريق محمد بن رافع أخبرنا معمر عن الزهري به.
التعليق:
تقدم في ص 194 عنوان يشبه عنوان هذا الفصل وهو قوله (ذكر ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع من أجابه على شهادة أن لا إله إلا الله ولا يشركوا به. وأورد هناك حديث عبادة بن الصامت رضى الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم:"بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ..."ثم ذكر عددا من المنهيات وأجمل المأمورات في قوله: ولا تعصوا في معروف، وذكر هنا حديث جرير رضى الله عنه وفيه أنه صلى الله عليه وسلم بايع أصحابه على الشهادتين، وهي معنى قوله في حديث عبادة بن الصامت: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا وقد ورد في حديث جرير مع الشهادتين ذكر بعض الأعمال ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
أما مناسبة بقية الأحاديث التي أوردها المصنف في هذا الفصل ولم يكن فيها ذكر البيعة للترجمة، فلورود السؤال فيها عن العمل الذي يدخل به صاحبه الجنة وجاء الجواب مصدرًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"تعبد الله لا تشرك به شيئا"، وهو معنى الشهادتين في حديث جرير، ثم أتبع ذلك بالأعمال كالصلاة، والزكاة وغيرها ومعلوم أن الإيمان الذي يستحق به العبد دخول الجنة هو اعتقاد بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، وقد اشتملت هذه الأحاديث على هذه الأركان الثلاثة جميعا.
وحديث هرقل مع أبي سفيان كما تضمن ما أشرنا إليه آنفا تضمن فوائد جمة أخرى، فقد ظهر من الأسئلة التي وجهها هرقل إلى أبي سفيان أنه كان على علم بصفات الأنبياء وما يتحلون به من أخلاق فاضلة، وسيرة حميدة في مجتمعاتهم التي ينشؤون فيها قبل أن يرسل إليهم، وذلك لما أراده الله لهم من كرامة وليكونوا هداة للأمة من غير أن ينال منهم أحد بطعن في نسب، أو انتقاص في سلوك ذلك العلم الذي أخذه من كتب الله المنزلة على الأنبياء السابقين، الخالية من التحريف والتبديل، وبالتالي يبين لنا هذا الحديث أن التوراة الموجودة الآن بين يدي اليهود، والإنجيل الموجود بين يدي النصارى، محرفة ومزيفة، دليل ذلك طعنها على الأنبياء ورميهم بأقبح الصفات والفواحش التي يتنزه عن مثلها الإنسان العادي، فضلًا عن النبي المرسل، كما يفيد أيضا ما تضمنه الكتب السابقة من أن نبيًا سيبعث آخر الزمان موصوفًا بصفات يعرفها أصحاب تلك الكتب، وذلك النبي هو محمد النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى عن أهل الكتاب {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} .
فقد شبه تعالى معرفتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وكونها معرفة بينة واضحة لا شك فيها، بمعرفة الإنسان ولده.
ولذلك فقد تبين لهرقل بعد تلك الأسئلة التي وجهها لأبي سفيان وما أجابه به عليها، أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو النبي المبعوث الذي جاء وصفه في الكتب المنزلة، وعندها قال استنتاجًا من إجابة أبي سفيان"فإن كان ما تقوله حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وهو نبي وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، ولو أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه".
هكذا يتوصل هرقل إلى هذه النتيجة الصحيحة.
يقول أبو سفيان في وصف هرقل:"ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف".
ويعلق ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث 1/ 37 على قول هرقل:"ولو أني أخلص إليه"فيقول:"إن قوله ذلك، يدل على أنه كان لا يسلم من القتل إن هو هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما حدث لضغاطر الذي أسلم فقتلوه: وفي مرسل ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال: ويحك والله أني لأعلم أنه نبي مرسل ولكني أخاف الروم على نفسي ولولا ذلك لاتبعته". ويقول ابن حجر:"لو تفطن هرقل لقوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي أرسل إليه"أسلم تسلم"وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم لو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله". اهـ. قلت: وقد بين آخر الحديث سبب ذلك، فإنه شح بملكه فآثر الدنيا على الآخرة فقد أراد أن يجمع بينهما فلم يتمكن فقدم العاجلة، فقد قال لعظماء قومه حين جمعهم:"يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت الله ملككم فتبايعوا هذا النبي". فلما حاصوا تلك الحيصة كحمر الوحش الدالة على الجهل وعدم الفطنة استعمل دهاءه معهم لأمر الدنيا وملكها الزائل فقال مقالته تلك:"إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت الذي أحب منكم فسجدوا له". والله أعلم.