علي صورته التي خلقه الله عليها مرة أخري نزلة أخري عند سدرة المنتهي عندما نزل هناك عند سدرة المنتهي (- وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عندها جنة المأوي) فهي في السماء السابعة عندها الجنة التي يأوي إليها المؤمنون و تأوي إليها أرواح المؤمنين في برزخهم و أرواح الأنبياء و الملائكة عندها جنة المأوي إذ يغشي السدرة ما يغشي يغطيها و يأتي عليها ما شاء الله عز و جل أن يغشاها قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ غشيها ألوان ما ادري ما هي من حسنها يعني - صلى الله عليه وسلم - تغيرت آتاها من أمر الله ما غيرها حتى رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - ألوانها تتغير لا يستطيع أن يصف هذه الألوان ليست كألوان أهل الدنيا و لها حسن رائع و بديع لا يشبه شيئا من الدنيا و لا حتى في الألفاظ قال ما ادري ما هي يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدري ما هي هذه الألوان العجيبة التي غشيت سدرة المنتهي حين تغيرت و قال أيضا عليه الصلاة و السلام غشيها فراش من ذهب هذا الفراش أصلا في الدنيا من الطين ألوانه عجيبة و رائعة فكيف إذا كان من ذهب غشي السدرة فراش من ذهب قال (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى -) تعظيم ما يغشي ده أبهام للتعظيم و التفخيم لشأن ما غشاها ما زاغ البصر و ما طغي هذا مدح عظيم للنبي عليه الصلاة و السلام في هذا المقام العالي الرفيع و ذلك انه ربما يصيب الإنسان في هذه الأشياء الهائلة إما أن يزيغ فلا يستطيع النظر يصيبه نوع من الاضطراب فلا يدري ما يري و يزيغ و يضطرب و يظل زائغ البصر النبي صلي الله عليه و سلم لم يكن كذلك بل كان ثابتا - صلى الله عليه وسلم - لعظيم إيمانه و يقينه عليه الصلاة و السلام اعلي الخلق مقاما - صلى الله عليه وسلم - و أرفعهم شأنا عند الله عز و جل و أعظمهم إيمانا علي الإطلاق أفضل الخليقة كلها - صلى الله عليه وسلم - و ظهرت منزلته العظيمة في هذه الليلة المباركة قال عز و جل (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى -) لم يتعدى الحدود لم يكن مجاوزا للأدب و الطغيان لم يتجاوز فينظر إلي ما لا يجوز كمن يدخل قصر عظيم و يظل يتلفت يمينا و شمالا ليسترق النظر ليس كذلك سوء الأدب النبي ... - صلى الله عليه وسلم - ما كان زائغ البصر إذ يعرف من عظمة الله سبحانه و تعالي ما يبعده عن أن يزيغ بصره لما يري من العظائم يعرف أن الله قادر علي ذلك و أكثر منه فلم يزغ و لم يطغي تأدبا مع الله عز و جل ما زاغ البصر و ما طغي لقد رأي من آيات ربه الكبرى رأي من آيات ربه آيات كبري رأي جبريل عليه السلام له ستمائة جناح كما رآه في الأرض رآه كذلك في السماء و رأي الجنة و دخلها عليه الصلاة و السلام و رأي الكوثر و رأي في الجنة نهران ظاهران و نهران باطنا ن فأما الظاهران فالنيل و الفرات عنصرهما أي اصلهما و النهران الباطنان فنهران في الجنة وهذا يدل علي شرف هذه الأنهار لأنها أصلها في السماء و جزء منها هو الذي نقل في الأرض فلذا نجد فيها من البركة ما لا يكون في غيرها إذ عنصر هذه الأنهار أصلها في الجنة و انزل إلي الأرض و كل شئ كان في الجنة و نقل إلي الأرض ستجد فيه البركة التي لا توصف فأنت تجد بركة في الحجر الأسود و تجد كذلك كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لولا ما كان من خطايا أهل الشرك ما مسه دعاههة إلا برئ الحجر الأسود كان ابيض من الثلج ولولا ما كان من خطايا أهل الشرك لا مسه دعاههة إلا برئ و النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في صلاة الكسوف انه أراد أن يتناول عنقود من العنب قال لو تناولته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا فالأشياء التي أصلها من الجنة و نقلت إلي الأرض أشياء مباركة فيها خير كثير و لذا نهر النيل و نهر الفرات من الأنهار المباركة قال ثم رفع إلي سدرة لمنتهي ثم رفع له البيت المعمور وهو قبالة الكعبة و إذا يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إلي يوم القيامة آخر ما عليهم لا تأتي عليهم النوبة إلي يوم القيامة كل يوم يدخل سبعون ألف ملك يطوفون بالبيت المعمور و قد رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - إبراهيم مسندا ظهره إلي البيت المعمور لعلوا شأن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - و لما كان معمرا بيت الله في الأرض كان أيضا معمرا لبيت الله في السماء البيت المعمور قال ثم عرج بي إلي الجبار جل جلاله ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال إلي مستوي قال ظهرت إلي مستوي اسمع فيه صريف الأقلام أقلام يكتب بها أشياء و مقادير عند الله سبحانه و تعالي و هذه غير اللوح المحفوظ لأن اللوح المحفوظ قد رفع قلمه و جفت صحفه رفعت الأقلام و جفت الصحف أما هذه فكتب أخري و أقلام أخري فعرج به إلي الجبار جل جلاله فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو ادني رواية البخاري في التوحيد فيها التصريح بقوله فدنا الجبار منه و دنو الرب سبحانه و تعالي أمر مذكور في الكتاب و السنة وهو انه يقرب من عباده كيف شاء و يقرب من أولياءه خصوصا كيف شاء كما قال عز و جل عن نفسه في الحديث القدسي فيما يرويه عنه النبي عليه الصلاة و السلام و من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا فالله يتقرب إلي من شاء من عباده يتقرب إلي المتقربين إليه فلا بعد في أن يدنوا الجبار جل جلاله من النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كان قاب قوسين أو ادني أي بل ادني كما ذكرنا من قبل و هذا كما يقول ابن القيم رحمه الله دنوا آخر و تدلي آخر فدنا الجبار و تدلي دنا الجبار و تدلي نزل إلي النبي عليه الصلاة و السلام و نزول الرب عز و جل ثابت في السنة أيضا كذلك في نزول الرب عز و جل إلي السماء الدنيا إذا بقي ثلث الليل الآخر و النزول عشية عرفة إلي السماء الدنيا فلا مانع أن ينزل إلي النبي