الصفحة 109 من 194

عند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عبادة بن نضلة و الذي بعثك بالحق أن شئت لنميلن علي أهل مني غدا بأسيافنا مستعد يقاتلهم في اليوم التالي هم بضع و سبعون رجلا لكن مستعدون للقتال مهما كان الأمر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم نؤمر بذلك و لكن ارجعوا إلي رحالكم فرجعوا و ناموا حتى أصبحوا و هذا دليل علي أن الجهاد في ذلك الوقت كان ممنوعا منه كان القتال الجهاد اللي بمعني القتال كان ممنوعا منه و ذلك بأن ذلك يؤدي إلي استأصال المسلمين و إلي مضرة عظيمة فما يصنع سبعون رجلا مع أهل مني و المشركون كثرة و قومهم كثير منهم لا زال علي الشرك فذلك يؤدي إلي استأصال الدعوة و الغرض المقصود أن تنموا هذه الدعوة نموا طبيعيا حتى تصل إلي غايتها المنشودة و حتى تضرب بجذورها في أرض المدينة فلا يمكن اقتلاعها بعد ذلك و بذلك لابد من إدراك هذه المسألة اللي من أعظم المسائل أهمية في تاريخ الدعوات لابد أن تنموا الدعوة نموها الطبيعي تضرب بجذورها حتى لا يمكن أن تقتلع و عند ذلك يفعل الله عز وجل ما يشاء ما شرع الله عز وجل القتال في أول الدعوة في مكة ولا حتى في أول وجود المأوي الذي وجده المسلمون في المدينة فكان لابد أن تستقر الأمور ولابد أن تقوي الشوكة و عند ذلك أمرهم الله عز وجل بالجهاد إذا كانت المصلحة عظيمة ولذلك كان ما شرع الله عز وجل من تدرج وجوب الجهاد أولا كان ممنوعا كما دل عليه هذا الحديث رغم وجود الرغبة والاستعداد للتضيحة ولو أدي إلي قتل النفوس كان الأنصار يعرضون أن يبدأوا القتال في اليوم التالي مباشرة ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عنده من الحكمة والروية و الحلم ما منع به كما انه كان ممتثلا أمر الله أنا لم نؤمر بذلك لم يؤمر بالقتال و كان الأصل هو الامتناع كان الأصل هو الصبر وفي هذا المصلحة كل المصلحة فلما أذن لهم في القتال بعد ذلك قاتلوا بحمد الله تبارك و تعالي و لذلك كان قول الله عز وجل أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا دل ذلك علي انه كان ممنوعا منه قبل ذلك أذن لهم لم يكن الإذن إلا في شئ كان ممنوعا فهذا الأمر لابد أن يفهم فائدته إذ أن المواجهة في غير وقتها عمل رغم انه ربما يصدر من نية صالحة والاستعداد للتضحية عمل ليس مطلوب في الدعوة إلي الله عز وجل وليس مطلوب في نصرة الدين و يترتب عليه من المفاسد ما يؤدي ربما إلي ضياع الدعوة و عدم انتشار الدين يؤدي إلي شدة الحصار و شدة البلاء و نحو ذلك و النبي - صلى الله عليه وسلم - يراعي المصحلة قدر الامكان وهذا الأمر عند جمهور أهل العلم يعمل به في الأحوال التي تكون مشابهة بمثل ذلك و ليس أن الأمر قد نسخ انه قد زال بالكلية لكن خصص في أحوال و ظروف مثل ذلك و لقد رأينا أن هذا الأمر في كل دعوات الأنبياء الذين أمروا بالقتال مر بنفس هذه المراحل و مر بنفس هذه الطريقة فموسي - صلى الله عليه وسلم - عد مشاجرة الإسرائيلي لمن لا يقدر عليه غواية بينه فقال له انك لغوي مبين و عد قتله لكافر يريد أذية مسلم لكن لم يؤمر بقتله في ذلك التوقيت عدها من عمل الشيطان إذ لما قتل الفرعوني سيدنا موسي - صلى الله عليه وسلم - ووقتها فرعوني قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين وهذا يدلنا علي مدي الضرر الذي يمكن أن تؤدي به مثل هذه الأمور من غير إدراك المصلحة و من غير مراعاة القوة و الضعف و ميزان مواجهة الأعداء كيف يكون إلي تعطيل الدعوة ربما سنوات و أن كانت النية طيبة فالنيات الطيبة لابد أن يكون معها عقل وحكمة و امتثال لشرع و أوامر الله.

قال: قريش تقدم الاحتجاج إلي رؤساء يثرب

لما قرع هذا الخبر أذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل و الأحزان لأنهم كانوا علي معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة و نتائجها بالنسبة إلي أنفسهم و أموالهم رغم أن هناك سبعون رجلا فقط و مع ذلك فالأمر يبدأ قليلا و لذلك نجد ربما أن العالم كله سوف يقف في مواجهة هذه القلة لأنه يعلم تماما إنها سوف تنموا و سوف تسيطر علي الموقف و لذلك كان هناك القلق الشديد من وجود مأوي للنبي - صلى الله عليه وسلم - و للمسلمين لأن ذلك سوف يعقبه قطعا النمو و قوة زائدة للدعوة سوف تصل إليهم في النهاية و قد كان بفضل الله قال فما أن أصبحوا أصبحت قريش حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة و أكابر مجرميها إلي مخيم أهل يثرب يقدم احتجاجه الشديد علي هذه المعاهدة فقد قال يا معشر الخزرج انه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلي صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا و تبايعونه علي حربنا وانه والله ما من حي من العرب ابغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا و بينكم منكم ولما كان مشركوا الخزرج لا يعرفون شيئا عن هذه البيعة لأنها تمت في سرية تامة و في ظلام الليل بعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله ما كان من شئ و ما علمناه حتى اتو عبد الله بن أبي بن سلول فجعل يقول هذا باطل وما كان هذا و ما كان قومي ليفتاتو علي مثل هذا يعني الخزرج هو و كان هو علي وشك أن يكون الملك المتوج علي المدينة كلها فكيف يمكن وهو يظن نفسه بهذه المنزلة أن يفعل قومه هذا من غير أن يخبروه قال لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يآمروني أما المسلمون فنظر بعضهم إلي بعض ثم لاذوا بالصمت فلم يتحدث احد منهم بنفي أو إثبات هذا من الحكمة و العقل و الفهم ليست العاطفة وحدها التي تحركهم يقول و قد كان و أفعلوا ما شئتم قد كان و سيوفنا مستعدة لضربكم في أي وقت و نحو ذلك كانوا مستعدون بالأمس لأن يضربوا أهل مكة و أهل مني جميعا لكن كان هذا هو ما أمرهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - وما قال، ومال زعماء قريش إلي تصديق المشركين فرجعوا خائبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت