وكان علي رضي الله عنه يعاتب على لباسه فيقول: هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم. وعوتب عمر بن عبد العزيز على ذلك فقال: إن أفضل القصد عند الجدة. يعني: أفضل ما اقتصد الرجل في لباسه مع قدرته ووجدانه.
وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي) أنه قال:"البذاذة من الإيمان"يعني: التقشف. وفي الترمذي عن النبي):"من ترك اللباس تواضعًا لله عز وجل وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها". وخرجه أبو داود من وجه آخر ولفظه:"من ترك ثوب جمال أحسبه قال: تواضعًا كساه الله حلة الكرامة".
وإنما يذم من ترك اللباس مع قدرته عليه بخلًا على نفسه، أو كتمانًا لنعمة الله عز وجل، وفي هذا جاء الحديث المشهور:"إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده". ومن لبس لباسًا حسنًا إظهارًا لنعمة الله ولم يفعله اختيالًا كان حسنًا.
وكان كثير من الصحابة والتابعين يلبسون لباسًا حسنًا، منهم: ابن عباس، والحسن البصري. وقد صح عن النبي) أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون لباسه حسنًا ونعله حسنًا؟ قال:"ليس ذلك بالكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمط الناس". يعني: التكبر عن قبول الحق والانقياد له، واحتقار الناس وازدراءهم فهذا هو الكبر، فأما مجرد اللباس الحسن الخالي عن الخيلاء فليس بكبر، واحتقار الناس مع رثاثة اللباس كبر. وقد روي عن النبي) أنه كان ماشيًا في طريق، وهناك أمة سوداء، فقال لها رجل: الطريق! الطريق! للنبي). فقالت: الطريق يمنة ويسرة!. فقال النبي):"دعوها فإنها جبارة". خرجه النسائي وغيره، وفي رواية للطبراني وغيره: قالوا: يا رسول الله! إنها. يعني: مسكينة. قال:"إن ذاك في قلبها". يعني أن الكبر في قلبها وإن كان لباسها لباس المساكين. وقال الحسن إن قومًا جعلوا التواضع في لباسهم والكبر في صدورهم، إن أحدهم أشد كبرًا بمدرعته من صاحب السرير بسريره، وصاحب المنبر بمنبره. قال أحمد ابن أبي الحواري: قال لي سليمان بن أبي سليمان وكان يعدل بأبيه: أي شيء أرادوا بثياب الصوف؟. قلت: التواضع. قال: وما يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف!.
وقال أبو سليمان: يكون ظاهرك قطنيًا وباطنك صوفيًا. قال أبو الحسين بن بشار: صوف قلبك، والبس القوهي على القوهي. يعني: رفيع الثياب. فمتى أظهر الإنسان لباس المساكين لدعوى الصلاح ليشتهر بذلك عند الناس كان ذلك كبرًا ورياء، ومن هنا ترك كثير من السلف المخلصين اللباس المختص بالفقراء والصالحين، وقالوا: إنه شهرة. ولما قدم سيار أبو الحكم البصرة لزيارة مالك بن دينار لبس ثيابًا حسنة ثم دخل المسجد فصلى صلاة حسنة، فرآه مالك ولم يعرفه فقال له: يا شيخ! إني أرغب بك عن هذه الثياب مع هذه الصلاة. فقال له: يا مالك! ثيابي هذه تضعني عندك أم ترفعني؟! قال: بل تضعك. فقال: نعم الثوب ثوب يضع صاحبه عند الناس، ولكن انظر يا مالك لعل ثوبيك هذين يعني: الصوف أنزلاك عند الناس ما لم ينزلاك من الله. فبكى مالك وقام إليه واعتنقه، وقال له: أنشدك الله أنت سيار أبو الحكم؟ قال: نعم.
اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى
ابن رجب
الصفحة: 19
اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى
ابن رجب
الصفحة: 20
فلهذا كره من كره من السلف كابن سيرين وغيره لباس الصوف حيث صار شعار الزاهدين، فيكون لباسه إشهارًا للنفس، وإظهارًا للزهد، وأما النبي) فكان يلبس ما وجد، فتارة يلبس لباس الأغنياء من حلل اليمن وثياب الشام ونحوها، وتارة يلبس لباس المساكين فيلبس جبة من صوف أحيانًا، وأحيانًا يتزر بعباءة ويهيئ إبل الصدقة، يعني أنه يطلبها بيده ويصلحها كما يفعل أرباب الإبل بها، ولم يبعث الله نبيًا من أهل الكبر، ونما بعث من لا كبر عنده، ولا يتكبر عن معالجة الأشياء التي يأنف منها المتكبرون كرعاية الإبل والغنم، وإجارة نفسه عند الحاجة إلى الاكتساب. ومن أعطاه الله منهم ملكًا فإنه لم يزل دأبه تواضعًا لله عز وجل كداود وسليمان ومحمد. صلى الله عليهم وسلم تسليمًا كثيرًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)