فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 13208 من 67893

ومنها: أن مجالسة المساكين توجب رضى من يجالسهم برزق الله عز وجل، وتعظم عنده نعمة الله عز وجل عليه بنظره في الدنيا إلى من دونه. ومجالسة الأغنياء توجي السخط بالرزق، ومد العين إلى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى الله عز وجل نبيه) عن ذلك فقال تعالى:) ولا تَمُدَّنَّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجًا منهم زَهْرَةَ الحياةِ الدنيا لنفتِنَهم فيه ورزقُ ربِّك خيرٌ وأبقى (طه: 131، وقال النبي) :"انظروا إلى من دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم". قال أبو ذر: أوصاني رسول الله) أن أنظر إلى من دوني ولا أنظر إلى من فوقي، وأوصاني أن أحب المساكين وأن أدنو منهم.

وكان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يجالس الأغنياء فلا يزال في غمّ، لأنه لا يزال يرى من هو أحسن منه لباسًا ومركبًا ومسكنًا ومطعمًا، فتركهم وجالس المساكين فاستراح من ذلك.

وقد روي عن النبي) أنه نهى عائشة من مخالطة الأغنياء. وقال عمر: إياكم والدخول على أهل السعة فإنه مسخطة للرزق.

واعلم أن المسكين إذا أطلق يراد به غالبًا من لا مال له يكفيه، فإن الحاجة توجب السكون والتواضع، بخلاف الغني فإنه يوجب الطغيان، ولهذا ذم الفقير المختال وعظم وعيده لأنه عصى بما ينافي فقره، وهو الاختيال والزهو والكبر.

ولما كان المسكين عند الإطلاق لا ينصرف إلا إلى من لا كفاية له من المال وصى الله تعالى بإيثار المساكين وإطعامهم الطعام، ومدح من يطعمهم، وذم من لا يحض على إطعامهم، وجعل لهم حقًا في أموال الصدقات والفئ وخمس الغنائم وحضور قسمة الأموال.

وهؤلاء المساكين على قسمين: أحدهما: من هو محتاج في الباطن وقد أظهر حاجته للناس، والثاني: من يكتم حاجته ويظهر للناس أنه غني فهذا أشرف القسمين، وقد مدح الله عز وجل هذا في قوله تعالى:) للفقرآءِ الذين أُحْصِروا في سبيلِ الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسَبُهم الجاهلُ أغنيآءَ من التَّعفُّفِ تعرفُهم بسيماهم لا يسألون الناسَ إلحافًا (البقرة: 273، وقال النبي) :"ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين من لا يجد ما يغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدق عليه". وقال بعضهم: هذا المحروم المذكور في قوله عز وجل:) للسآئلِ والمحرومِ (الذاريات: 19، فأخبر النبي) أن من كتم حاجته فلم يفطن له أحق باسم المسكين من الذي أظهر حاجته بالسؤال، وأنه أحق بالبر منه، وهذا يدل على أنهم كانوا لا يعرفون من المساكين إلا من أظهر حاجته بالسؤال، وبهذا فرق طائفة من العلماء بين الفقير والمسكين، فقالوا: من أظهر حاجته فهو مسكين، ومن كتمها فهو فقير. وفي كلام الإمام أحمد إيماء إلى ذلك، وإن كان المشهور عنه أن التفريق بينهما بكثرة الحاجة وقلتها كقول كثير من الفقهاء، وهذا حيث جمع بين ذكر الفقير والمسكين كما في آية الصدقات، وأما إن أفرد أحد الاسمين دخل فيه الآخر عند الأكثرين.

وقد كان كثير من السلف يكتم حاجته ويظهر الغنى تعففًا وتكرمًا، منهم: إبراهيم النخعي كان يلبس ثيابًا حسناء، ويخرج إلى الناس وهم يرون أنه تحل له الميتة من الحاجة.

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى

ابن رجب

الصفحة: 18

اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى

ابن رجب

الصفحة: 19

وكان بعض الصالحين يلبس الثياب الجميلة وفي كمه مفتاح دار كبيرة ولا مأوى له إلا المساجد، وكان آخر لا يلبس جبة في الشتاء لفقره، ويقول: بي علة تمنعني من لبس المحشو. وإنما يعني به الفقر شعر:

أن الكريم ليُخفي عنك عُسرته

حتى تراه غنيًا وهو مجهود

وكان بعكس هؤلاء من يلبس ثياب المساكين مع الغنى تواضعًا لله عز وجل، وبعدًا من الكبر كما كان يفعله الخلفاء الراشدون الأربعة وبعدهم عمر بن عبد العزيز، وكذلك كان جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما رضي الله عنهم، وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان ينشد:

إذا أردت شريفَ الناس كُلِّهمُ

فانظُر إلى ملكٍ في زِيِّ مسكين

ذاك الذي حَسُنت في الناس سيرتُه

وذاك يصلحُ للدُّنيا وللدين

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت