وَفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: «آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَه، أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحْدَه لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَأَنْ تُؤَدُّوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ» .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ تَكُونُ إِيمَانًا بِاللَّهِ بِدُونِ إِيمَانِ الْقَلْبِ، لِمَا قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِيمَانِ الْقَلْبِ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ مَعَ إِيمَانِ الْقَلْبِ وهُوَ الْإِيمَانُ.
وَأَي دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَة فِي مُسَمَّى"الْإِيمَانِ"فَوْقَ هَذَا الدَّلِيلِ؟ فَإِنَّهُ فَسَّرَ الْإِيمَانَ بِالْأَعْمَالِ، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّصْدِيقَ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لَا تُفِيدُ مَعَ الْجُحُودِ. وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: الْإِسْلَامُ عَلَانِيَة، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ [1] .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُغَايِرَة بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. وَيُؤَيِّدُه قَوْلُهُ [فِي حَدِيثِ سُؤَالَاتِ جِبْرِيلَ، فِي مَعْنَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ] [2] وَقَدْ قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» . فَجَعَلَ الدِّينَ هُوَ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ وَالْإِحْسَانَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ دِينَنَا يَجْمَعُ الثَّلَاثَة. لَكِنْ هُوَ دَرَجَاتٌ ثَلَاثَة: مُسْلِمٌ، ثُمَّ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ مُحْسِنٌ. وَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ مَا ذُكِرَ مَعَ الْإِسْلَامِ قَطْعًا، كَمَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْإِحْسَانِ مَا ذُكِرَ مَعَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. لَا أَنَّ الْإِحْسَانَ يَكُونُ مُجَرَّدًا عَنِ الْإِيمَانِ، هَذَا مُحَالٌ. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [3] . وَالْمُقْتَصِدُ وَالسَّابِقُ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّة بِلَا عُقُوبَة، بِخِلَافِ الظَّالِمِ لِنَفْسِه، فإنه مُعَرَّضٌ لِلْوَعِيدِ.
(1) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 52، ونسبه لأحمد، وأبي يعلى، والبزار، وإسناده ثقات
(2) زيادة زدناها بالمعنى، لا ضرورية لا يستقيم بدونها الكلام
(3) سورة فَاطِرٍ آية 32