فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 543

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَلَا شَكَّ فِي تَكْفِيرِ مَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَلَكِنْ مَنْ تَأَوَّلَ حُكْمَ الْكِتَابِ لِشُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُ، بُيِّنَ لَهُ الصَّوَابُ ليرجع إليه، وهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، لِكَمَالِ حكمته ورحمته وعدله، لا بمجرد قَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ، كَمَا يَقُولُ جَهْمٌ وَأَتْبَاعُهُ. وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ:"وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلُّهُ".

قَوْلُهُ: (فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَوْجُودٌ، وَعِلْمٌ فِي الْخَلْقِ مَفْقُودٌ، فَإِنْكَارُ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ كُفْرٌ، وَادِّعَاءُ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ كُفْرٌ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِقَبُولِ الْعِلْمِ الْمَوْجُودِ، وَتَرْكِ طَلَبِ الْعِلْمِ الْمَفْقُودِ) .

ش: الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ:"فَهَذَا"إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ،

وَقَوْلُهُ"وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ"

أَيْ عِلْمِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. وَيَعْنِي بِالْعِلْمِ الْمَفْقُودِ: عِلْمَ الْقَدَرِ الَّذِي طَوَاهُ اللَّهُ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ. وَيَعْنِي بِالْعِلْمِ الْمَوْجُودِ، عِلْمَ الشَّرِيعَةِ، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، فَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَمَنِ ادَّعَى عَلِمَ الْغَيْبِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ. قَالَ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [1] ، الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [2] . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خَفَاءِ حِكْمَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا عَدَمُهَا، وَلَا مِنْ جَهْلِنَا انْتِفَاءُ حِكْمَتِهِ. أَلَا

(1) سورة الجن الآيتان 26، 27.

(2) سورة لقمان آية 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت