1ـ قَاْلَ اللهُ تَعَاْلَىَ: ? وَلَقَدْ ذَرَأْنَا (1) لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ? الآيَةُ (2) فعابَهُم الله بأنَّهم لا يَفقهونَ بقلوبِهم؛ والفِقهُ: هو الفَهمُ (3) ، والفَهمُ لا يكونُ إلاَّ بِالعَقلِ , فدلَّ ذلك على: أنَّ القلبَ محلُّ العقلِ. ولو كانَ الأمرُ كما زعمَ الفلاسفةُ لقالَ [تَبارَكَ وَتَعالَى] : (لهم أدمغةً لا يفقهونَ بها) .
2ـ قَاْلَ اللهُ تَعَاْلَىَ: ? أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ? (4) ولم يقُل [تَبارَكَ وَتَعالَى] : (فتكُونُ لهُم أدمغةٌ يَعقِلونَ بها) ، ولم يَقُل: (ولكنْ تَعمَى الأدمِغَة التي في الرُّؤوسِ) . كما ترى فقد صرَّح في آية الحجِّ هذه بأنَّ: القلوب هي التي يُعقَل بها، وما ذلك إلا لأنها محل العقلِ كما ترى. ثم أكَّد ذلك تأكيدًا لا يترُكُ شبهةً ولا لبسًا؛ فقال تَعالَى: ? وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ? (5) فتأمل قوله [تَبارَكَ وَتَعالَى] ? الَّتِي فِي الصُّدُورِ ? تفهم ما فيه من التأكيد والإيضاح، ومعناه: أنَّ القلوبَ التي في الصُّدورِ هي التي تَعمَى إذا سَلَبَ الله منها نورَ العقلِ، فلا تُمَيِّزُ بعد عَماها بين الحقِّ والباطلِ، ولا بين الحسنِ والقبيحِ، ولا بين النَّافعِ والضَّارِّ، وهو صريحٌ بأنَّ الذي يُمَيَّزُ به كلُّ ذلك هو العقلُ ومحلُّهُ في القلبُ.
(1) ذَرَأْنَاْ: خَلَقْنا وَأَوْجَدْنَا.
(2) سُوْرَةُ الأعرافِ: 179.
(3) اُنْظُرْ: (النِّهاية في غريب الحديثِ) 2/ 387 و (لِسانُ العَرَبِ) لابنِ منظورِ 5/ 150.
(4) سُوْرَةُ الحجِّ: 46.
(5) سُوْرَةُ الحجِّ: 46.