أنَّ حاصِلَ دليلِهم: أنهم يستدلون بـ (قياسٍ منطقيٍّ) من الشرطِ المتَّصلِ المركَّبِ من: شَرطِيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ لُزومِيَّةٍ واستِثنائِيَّة يَستَثنونَ فيهِ نَقيضَ التَّالِي فينتجُ لهم في زعمِهم دعواهُم المذكورَةُ والتي هي نَقيضُ المقدَّمِ.
وصورَتُهُ: أنَّهم يقولونَ: (لو لم يكُن العقلُ في الدِّماغِ لَما تَأَثَّرَ بِكُلِّ مُؤثِّرٍ على الدِّماغِ، لكنَّهُ يَتَأَثَّرُ بِكُلِّ مُؤَثِّرٍ على الدِّماغِ. فَيَنتُجُ: أَنَّ العقلَ في الدِّماغِ) .
وهذا الاستدلالُ مردودٌ بالنَّقضِ التَّفصيليِّ الذي هوَ المنعُ؛ وذلك: بِمَنعِ كُبْراهُ التي هيَ شَرطِيَّتُهُ؛ فنقولُ:
المانِعُ: مَنعُ قولِكَ: (لو لم يكُن العقلُ في الدِّماغِ لَما تَأَثَّرَ بِكُلِّ مُؤثِّرٍ علي الدِّماغِ) بل هو خارِجٌ عَن الدِّماغِ، معَ أَنَّهُ يتأثَّرُ بكلِّ مؤثِّرٍ على الدِّماغِ كغيرِهِ مِنَ الأعضاءِ التي تتأثَّرُ بِتأثّرِ الدِّماغِ. فالرَّابطُ بينَ التَّاليِ والمقدّم غَيرُ صحيحٍ، والمحلُّ الذي يَتوارَدُ عليهِ {صَفْحَة: 7} الصِّدقُ والكذِبُ في الشَّرطِيَّةِ إنَّما هو الرَّابِطُ بين مُقَدِّمِها وتاليها , فإنْ لم يكُن الرَّبطُ صَحيحًا كانَت كاذِبِةً , والرَّبطُ في قَضِيتِهم المذكورةِ: كاذِبٌ , فظهرَ بُطلانُ دَعواهُم.
وهناكَ طائفةٌ ثالثةٌ: أرادت أنْ تجمعَ بينَ القولين؛ فقالتْ: إنَّ ما دَلَّ عليه الوحي مِن كونِ محلِّ العقلِ هو القلبُ صحيحٌ , وما يقولُه الفلاسفةُ ومَن وافَقهُم من أنَّ محلَّهُ الدِّماغُ صحيحٌ أيضًا , فلا منافاةَ بينَ القولَين.
قالُوا: ووجهُ الجَمعِ أنَّ العقلَ في القَلبِ كما فِي القُرآنِ والسَّنة ، ولكنَّ نُورُهُ يَتَصاعَدُ مِنْ القَلبِ فيتَّصِلُ بِالدِّماغِ، وبواسطةِ اتِّصالِهِ بالدِّماغِ يَصدُقُ عليهِ أنَّهُ في الدِّماغِ من غيرِ مُنافاةٍ لكونِ محلِّهِ هو القلبُ.