الصفحة 20 من 43

قالُوا: وبهذا يندَفِعُ التَّعارُضُ بَيْنَ النَّظرِ العَقلي ­ الذي زعمَهُ الفلاسفةُ ­ وبَينَ الوَحي.

واستدلَّ بعضُهم لهذا الجمعِ بـ (الاستقراءِ غَيرِ التَّامِّ) وهوَ المعروفُ في الأصولِ بـ (الإِلحاقِ بالغالبِ) وهو حُجَّة ظنِّيَّةٌ عِندَ جماعةٍ مِنَ الأصوليينَ، وإليه أشارَ صاحبُ (مراقي السُّعودِ) في كتابِ الاستدلالِ (1) ، في الكلامِ على أقسامِ الاستقراء بقوله:

وَهْوَ لَدَىَ البَعْضُ إِلَى الظَّنِّ انْتَسَبَ يُسْمَى لُحُوْقَ الفَرْدِ بِالَّذِيْ غَلَبْ

ومعلومٌ أنَّ (الاستقراءَ) هوَ: تَتَبّعُ الأفرادِ حتى يغلبَ على ظنِّهِ أنَّ ذلكَ الحكمَ مُطَّرِدُ فِي جميعِ الأَفرادِ.

وإيضاحُ هذا: أنَّ القائلينَ بالجمعِ المذكورِ بين الوحيَ وأقوالَ أهلِ الفلسفَةِ في محلِّ العقلِ؛ قالت جماعةٌ منهُم: دليلُنا على هذا الجمعِ الاستقراءُ غيرُ التَّامِّ , وذلك أنَّهم قالوا: تتبَّعنا أفرادَ الإنسانِ الطَّويلِ العُنُقِ طُولًا مُفرِطًا زائِدًا على المعهودِ زِيادَةً بَيِّنَةً؛ فوجَدنا كلَّ طويلِ العُنُقِ طُولًا مُفرِطًا ناقِصَ العَقلِ؛ وذلك لأنَّ طولَ [العُنُق] (2) طولًا مُفرِطًا يلزمُهُ بُعدَ المسافةِ بينَ طريقِ نُورِ العقلِ الكائنِ في القلبِ وبينَ المتصاعِدِ منهُ إلى الدِّماغِ , وبُعدُ المسافةِ بينَ طَرَفيهِ قد يُؤدِّي إلى عدمِ تماسُكِه واجتماعِه فيظهرُ فيه النَّقصُ.

وهذا الدَّليلُ ­ كما ترى ­ ليسَ فيه مقنَعٌ وإنْ كان يُشاهَدُ مِثلَهُ في الخارِجِ كَثيرًا.

(فتَحصَّل مِنْ هذا:

أنَّ الذي يقولُ: (أنَّ العقلَ في الدِّماغِ وحدَهُ وليسَ في القلبِ منهُ شيءٌ) أنَّ قولَهُ في غايةِ البُطلانِ؛ لأنَّهُ مُكَذِّبٌ لآياتٍ وأحاديثَ كثيرةٍ جدًّا ­ كما ذَكَرنا بعضَهُ ­.

(1) اُنْظُرْ: (نَثر الورودِ على مراقي السّعودِ) للمؤَلِّف 2/ 567 - 568.

(2) في الأصل: (العقل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت