فظهرَ بذلكَ دِلالةُ الآيَتَينِ المذكورتَينِ على: أنَّ المصدرَ الأولَ للإيمانِ القلبُ، فإذا آمَنَ القلبُ آمَنَت الجوارحُ بِفِعلِ المأموراتِ وتركِ المنهِيَّاتِ؛ لأنَّ القلبَ أميرُ البَدَنِ , وذلك يدلُّ دِلالةً واضِحَةً على: أنَّ القلبَ ما كانَ كذلكَ إلاَّ لأنَّهُ محلُّ العقلِ الذي بهِ الإدراكُ والفَهمُ كَمَا تَرَى .
28ـ وَقَاْلَ اللهُ تَعَاْلَىَ: ? وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ? الآيَةُ (1) فأسندَ الإثمَ بِكَتمِ الشَّهادةِ للقلبِ ولم يُسنِدْهُ للدِّماغِ، وذلك يدلُّ على أنَّ كتمَ الشَّهادةِ الذي هو سببُ الإثمِ واقعٌ عن عَمدٍ، و أَنَّ محلَّ ذلكَ العَمْدُ: القلبُ؛ وذلكَ لأنَّه محلُّ العقلِ الذي يحصُلُ بهِ الإدراكُ وقصدُ الطَّاعَةِ وقَصدُ المعصِيةِ كما تَرى.
29ـ وَقَاْلَ اللهُ تَعَاْلَىَ في حفصةَ وعائشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : ? إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ: فَقَدْ صَغَتْ (2) قُلُوبُكُمَا ? (3) أَي: إنْ مالَت قُلوبُكُما إلَى أمرٍ تَعلَمان أنَّه صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكرَهُهُ , سواءٌ قُلنا:
1: إِنَّهُ تحريمُ شُربِ العَسَلِ الذي كانَت تَسقِيهِ إيّاهُ إحدَى نِسائِهِ (4)
(1) سُورَةُ البقرةِ: 238.
(2) مالَت إِلى ما يَجِبُ عليكما تِجاه رَسولِ الله صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن تَعظيمِ وإجلالٍ.
(3) سُورَةُ التَّحريمِ: 4.
(4) اختَلَف العلماءُ في تَحديدِ التي سَقَت الرَّسولِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَسَلَ؛ هل هِيَ (زَينَبُ بِنتُ جَحشٍ) أو (حَفْصَة بِنْت عُمَر) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُماْ. اُنْظُرْ: (تَفسيرَ القُرطُبِي) 18/ 157 - 159 (المَهدِي) .
• قالَ الحافظُ في الفَتحِ (رَقْم: 5266) : (ذَكَرَ الْمُصَنِّف(أي البُخارِيّ) حَدِيث عَائِشَة فِي قِصَّة شُرْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَسَل عِنْد بَعْض نِسَائِهِ فَأَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
(1) أَحَدهمَا: مِنْ طَرِيق: عُبَيْد بْن عُمَيْر، عَنْ عَائِشَة، وَفِيهِ: (أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاْ) [خ (رَقْم: 4912) م (رَقْم: 1474) ] .
(2) وَالثَّانِي: مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَة. وَفِيهِ: (أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد حَفْصَة بِنْت عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاْ) [خ (رَقْم: 5268) م (رَقْم: 1479/ 21) ] . فَهَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
(3) وَأَخْرَجَ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق: اِبْن أَبِي مُلَيْكَة، عَنْ اِبْن عَبَّاس: (أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد سَوْدَة , وَأَنَّ عَائِشَة وَحَفْصَة هُمَا اللَّتَانِ تَوَاطَأَتَا) عَلَى وَفْق مَا فِي رِوَايَة: عُبَيْد بْن عُمَيْر، وَإِنْ اِخْتَلَفَا فِي صَاحِبَة الْعَسَل.
وَطَرِيق الْجَمْع بَيْن هَذَا الاخْتِلاف:
1ـ الْحَمْلُ عَلَى التَّعَدُّد فَلا يَمْتَنِع تَعَدُّد السَّبَب لِلأَمْرِ الْوَاحِد.
2ـ فَإِنْ جُنِحَ إِلَى التَّرْجِيح: فَرِوَايَةُ (عُبَيْد بْن عُمَيْر) [أنَّها زَيْنَب بِنْت جَحْش] أَثْبَتُ؛ لِمُوَافَقَةِ اِبْن عَبَّاس لَهَا عَلَى أَنَّ: الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ حَفْصَة وَعَائِشَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِير وَفِي الطّلاق مِنْ جَزْم عُمَر بِذَلِكَ [صَحيحُ البُخاريِّ (رَقْم: 4913 و5191) ومُسلم (رَقْم: 1479) ] , فَلَوْ كَانَتْ حَفْصَة صَاحِبَة الْعَسَل لَمْ تُقْرَن فِي التَّظَاهُر بِعَائِشَة.
3ـ لَكِنْ: يُمْكِنُ تَعَدُّد الْقِصَّة فِي شُرْب الْعَسَل وَتَحْرِيمه، وَاخْتِصَاص النُّزُول: بِالْقِصَّةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ عَائِشَة وَحَفْصَة هُمَا الْمُتَظَاهِرَتَانِ.
4ـ وَيُمْكِن: أَنْ تَكُون الْقِصَّة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا شُرْب الْعَسَل عِنْد حَفْصَة كَانَتْ سَابِقَة [لِقِصَّةِ زَيْنَب بِنْت جَحْش] ، وَيُؤَيِّد هَذَا الْحَمْل: أَنَّهُ لَمْ يَقَع فِي طَرِيق: هِشَام بْن عُرْوَة الَّتِي فِيهَا: أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد حَفْصَة تَعَرُّض لِلآيَةِ وَلا لِذِكْرِ سَبَب النُّزُول.
• أما ذِكر سَودة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَاْ:
فَالرَّاجِح أَيْضًا: أَنَّ صَاحِبَة الْعَسَل زَيْنَب لا سَوْدَة؛ لأَمرينِ:
1ـ أَنَّ طَرِيق: (عُبَيْد بْن عُمَيْر) أَثْبَت مِنْ طَرِيق: (اِبْن أَبِي مُلَيْكَة) بِكَثِيرٍ , وَلا جَائِز أَنْ تَتَّحِد بِطَرِيقِ هِشَام بْن عُرْوَة؛ لأَنَّ فِيهَا أَنَّ سَوْدَة كَانَتْ مِمَّنْ وَافَقَ عَائِشَة عَلَى قَوْلهَا: (أَجِدُ رِيحَ مَغَافِير) .
2ـ وَيُرَجِّحهُ أَيْضًا: مَا مَضَى فِي كِتَاب الْهِبَة [من صَحيحِ البُخاريِّ (رَقْم: 2581) ] عَنْ عَائِشَة: (أَنَّ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ حِزْبَيْنِ: أَنَا وَسَوْدَة وَحَفْصَة وَصَفِيَّة فِي حِزْب , وَزَيْنَب بِنْت جَحْش وَأُمّ سَلَمَة وَالْبَاقِيَات فِي حِزْب) فَهَذَا يُرَجِّح: أَنَّ زَيْنَب هِيَ صَاحِبَة الْعَسَل، وَلِهَذَا غَارَتْ عَائِشَة مِنْهَا لِكَوْنِهَا مِنْ غَيْر حِزْبهَا وَاللَّهُ أَعْلَم.
وعَلَيه: فَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَزْم الدَّاوُدِيّ: بِأَنَّ تَسْمِيَة الَّتِي شَرِبَتْ الْعَسَل حَفْصَة غَلَط، وَإِنَّمَا هِيَ صَفِيَّة بِنْت حُيَيٍّ أَوْ زَيْنَب بِنْت جَحْش.
وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى التَّرْجِيح: عِيَاض وَمِنْهُ تَلَقَّفَ الْقُرْطُبِيّ , وَكَذَا: نَقَلَهُ النَّوَوِيّ عَنْ عِيَاض وَأَقَرَّهُ فَقَالَ عِيَاض: (رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهَا ظَاهِر كِتَاب اللَّه , لأَنَّ فِيهِ ? وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ? فَهُمَا ثِنْتَانِ لا أَكْثَر. وَلِحَدِيثِ: اِبْن عَبَّاس عَنْ عُمَر [البُخاريِّ(رَقْم: 4913 و5191) ومُسلم (رَقْم: 1479) ] . قَالَ: فَكَأَنَّ الأَسْمَاء اِنْقَلَبَتْ عَلَى رَاوِي الرِّوَايَة الأُخْرَى) ه.
وَتَعَقَّبَ الْكَرْمَانِيُّ مَقَالَة عِيَاض فَأَجَادَ فَقَالَ: (مَتَى جَوَّزْنَا هَذَا اِرْتَفَعَ الْوُثُوق بِأَكْثَر الرِّوَايَات) ه.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ [في المُفهِم 4/ 251] : (الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْمُتَظَاهِرَات عَائِشَة وَسَوْدَة وَصَفِيَّة لَيْسَتْ بِصَحِيحَةِ؛ لأَنَّهَا مُخَالَفَة لِلتِّلاوَةِ لِمَجِيئِهَا بِلَفْظِ خِطَاب الاثْنَيَتَنِ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَجَاءَتْ بِخِطَابِ جَمَاعَة الْمُؤَنَّث. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الأَصِيلِيّ وَغَيْره: أَنَّ رِوَايَة عُبَيْد بْن عُمَيْر أَصَحّ وَأَوْلَى) ه.
وَمَا الْمَانِع: أَنْ تَكُون قِصَّة حَفْصَة سَابِقَة , فَلَمَّا قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ: تَرَكَ الشُّرْب مِنْ غَيْر تَصْرِيح بِتَحْرِيمٍ، وَلَمْ يَنْزِل فِي ذَلِكَ شَيْء , ثُمَّ: لَمَّا شَرِبَ فِي بَيْت زَيْنَب تَظَاهَرَتْ عَائِشَة وَحَفْصَة عَلَى ذَلِكَ الْقَوْل؛ فَحَرَّمَ حِينَئِذٍ الْعَسَل فَنَزَلَتْ الآيَة.
قَالَ [لعلَّهُ الْكَرْمَانِيُّ] : (وَأَمَّا ذِكْر سَوْدَة مَعَ الْجَزْم بِالتَّثْنِيَةِ فِيمَنْ تَظَاهَرَ مِنْهُنَّ: فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهَا كَانَتْ كَالتَّابِعَةِ لِعَائِشَة وَلِهَذَا وَهَبَتْ يَوْمهَا لَهَا , فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْهِبَة فَلا اِعْتِرَاض بِدُخُولِهِ عَلَيْهَا , وَإِنْ كَانَ بَعْده فَلا يَمْتَنِع هِبَتهَا يَوْمهَا لِعَائِشَة أَنْ يَتَرَدَّد إِلَى سَوْدَة) .
قُلْت: لا حَاجَة إِلَى الاعْتِذَار عَنْ ذَلِكَ , فَإِنَّ ذِكْر سَوْدَة إِنَّمَا جَاءَ فِي قِصَّة شُرْب الْعَسَل عِنْد حَفْصَة وَلا تَثْنِيَة فِيهِ وَلا نُزُول عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَمْع الَّذِي ذَكَرَهُ , وَأَمَّا قِصَّة الْعَسَل عِنْد زَيْنَب بِنْت جَحْش فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ عَائِشَة قَالَتْ: (تَوَاطَأْت أَنَا وَحَفْصَة) [خ (رَقْم: 4912 و5267 و6691) ومُسلم (رَقْم: 1474) ] فَهُوَ مُطَابِق لِمَا جَزَمَ بِهِ عُمَر مِنْ أَنَّ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَائِشَة وَحَفْصَة وَمُوَافِق لِظَاهِرِ الآيَة وَاللَّهُ أَعْلَم.
وَوَجَدَتْ لِقِصَّةِ شُرْب الْعَسَل عِنْد حَفْصَة شَاهِدًا: فِي (تَفْسِير اِبْن مَرْدَوَيْهِ) مِنْ طَرِيق: يَزِيد بْن رُومَان عَنْ اِبْن عَبَّاس. وَرُوَاته لا بَأْس بِهِمْ , وَقَدْ أَشَرْت إِلَى غَالِب أَلْفَاظه. وَوَقَعَ فِي (تَفْسِير السُّدِّيّ) : (أَنَّ شُرْب الْعَسَل كَانَ عِنْد أُمّ سَلَمَة) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره. وَهُوَ مَرْجُوح؛ لإِرْسَالِهِ وَشُذُوذه , وَاللَّهُ أَعْلَم).