وللفارابيّ مقالة أشرنا إليها من قبل (ص 31) عنوانها «في أغراض الحكيم في كلّ مقالة من الكتاب الموسوم بالحروف وهو تحقيق غرض أرسطوطاليس في كتاب ما بعد الطبيعة» ( «الثمرة المرضيّة» ص ص 3834) ، وهو عنوان يبيّن غرض المقالة وموضوعها. و «الكتاب الموسوم بالحروف» الذي يبيّن الفارابيّ أغراض كلّ مقالة من مقالاته هو كتاب أرسطوطاليس في ما بعد الطبيعة الذي عرفت كلّ مقالة من مقالاته بحرف من حروف التهجّي اليونانيّة، وكانت توضع على مقالات الكتب الكبيرة في الأصل اليونانيّ كأرقام وعلامات لها ثمّ
تعرف بها مقالات الكتب. ومقالة الفارابيّ هذه من مصنّفاته التي شاع نسخها، وتوجد منها اليوم نسخ خطّيّة عديدة. وسمّيت المقالة في بعض النسخ (كنسخة جامع سپهسالار الخطّيّة في طهران، رقم 1216، الورقة 203202) «رسالة الحروف» ، وهو العنوان ذاته الذي نجده في آخر كتاب «الحروف» (ص 226) .
وبين المصنّفين علاقة تتجاوز الصلة بين عنوانيهما، وذلك لأنّهما يشتركان في النظر في كتاب واحد وهو كتاب أرسطوطاليس في ما بعد الطبيعة.
أمّا لفظة الحروف التي عنون بها الفارابيّ كتابه، فيمكن شرح معناها من جهتين. الأولى هي أنّ الفارابيّ أعطى كتابه الذي يفسّر فيه «الكتاب الموسوم بالحروف» لأرسطوطاليس اسم هذا الكتاب، وهذا أمر لا يصعب الحصول على دلائل عديدة عليه من أسماء كتب الفارابيّ الأخرى، فقد سمّى أكثر الكتب التي لخّص أو فسّر فيها كتب أرسطوطاليس بأسماء هذه الكتب. وإذا كان كتاب الفارابيّ سمّي بكتاب «الحروف» لأنّ هذا كان اسم كتاب أرسطوطاليس الذي يفسّره، فيجب أن يفهم منه أنّه اسم اصطلاحيّ لا غير، ولا يصحّ أن يقال إنّه سمّي بهذا الاسم لأنّه يبحث في حروف التهجّي، وذلك لأنّ لفظة الحروف التي سمّي بها كتاب أرسطوطاليس في ما بعد الطبيعة لا تعني أكثر من أنّ حرفا حرفا من حروف التهجّي وضع على مقالة مقالة من مقالاته كرقم وعلامة لها. والذين ترجموا عنوان كتاب «الحروف» للفارابيّ إلى العبريّة واللاتينيّة أخذوا لفظة الحروف فيه على أنّها تعني حروف التهجّي، وهو معنى اللفظة في عنوان كتاب «الحروف» لأرسطوطاليس.
ويمكن شرح لفظة الحروف في عنوان الكتاب على أنّها تعني حروف المعاني التي قلنا إنّ الفارابيّ يبحث فيها أكثر ما يبحث في كتابه، كما فعل أرسطوطاليس قبله في كتاب «ما بعد الطبيعة» . وهذا هو المعنى الذي يغلب على لفظة الحروف التي يكثر ذكرها في نصّ الكتاب. وقد فصّلنا القول في هذا المعنى من قبل (ص ص 3128) .
وسواء أخذنا لفظة الحروف بالمعنى الأوّل أو بالمعنى الثاني، لا يمكننا
قبول إضافة «الألفاظ» إلى العنوان عند المتأخّرين من القدماء، ونعتقد أنّه نتج من عدم فهمهم لغرض الكتاب. فالذي سمّاه كتاب «الألفاظ والحروف» عنى بهذا الاسم أنّ الفارابيّ يبحث في كتابه هذا في حروف التهجّي والألفاظ التي تتركّب منها، وهو بحث لا يتجاوز طوله بضع فقرات من كتاب كبير ليس هذا غرضه، بل غرضه تفسير كتاب «الحروف» لأرسطوطاليس والنظر الفلسفيّ في حروف المعاني الموضوعة لعلم ما بعد الطبيعة وما يشتقّ منها.