ومع ذلك فموضوع الكتاب ليس اللغة والمصطلح العلميّ فحسب. فالكتاب كما سنبيّن فيما يأتي (ص 30وما بعدها) تفسير لكتاب «ما بعد الطبيعة» لأرسطوطاليس. وهو أوّل كتاب شامل ينشر للفارابيّ في علم ما بعد الطبيعة، وما نشر له من قبل في هذا العلم مختصرات موجزة لا يفصّل الفارابيّ فيها القول في الموجود وأعراضه كما يفعل في هذا الكتاب. وهو أقدم شرح واف بالعربيّة لأغراض كتاب «ما بعد الطبيعة» يعثر على أصله. ولا شكّ في أنّه كان مصدرا استقى منه شرّاح كتاب «ما بعد الطبيعة» الذين أتوا بعد الفارابيّ، مثل ابن سينا وابن رشد، الكثير من آرائهم في العلم الإلهيّ.
ولفظة الحروف تقال على معان. منها حروف الهجاء أو حروف التهجّي. والحرف بهذا المعنى «صوت له فصل ما يحدث فيه بقرع شيء من أجزاء الفم وفصولها التي يتميّز بها بعضها عن بعض إنّما تختلف باختلاف أجزاء الفم القارعة أو المقروعة» (الفارابيّ «شرح العبارة» ص 29، س س 1210) . والفارابيّ يبحث في حدوث الحروف بهذا المعنى في الفقرات 119114من كتاب «الحروف» (ص ص 137134) ضمن البحث في أصل اللغة ونشوئها واكتمالها.
لكنّ الكتاب لم يسمّ كتاب «الحروف» لهذا السبب، والحروف التي يبحث فيها أكثر ما يبحث ليست حروف الهجاء.
والحروف موضوعة لعلوم عدّة تبحث في طبائعها وخواصّها، انتشرت في القرنين الثالث والرابع من الهجرة (وهو عصر جابر بن حيّان وإخوان الصفاء) .
فمنها علم الحروف، وهو فرع من علم الجفر، يشرح خواصّ الحروف وطبائعها الخفيّة مستندا إلى أصول يستمدّها من حساب الجمل والكيمياء والقرانات.
وإلى الحروف بهذا المعنى نسبت الحروفيّة، وهي فرقة أسّسها فضل الله الأسترآبادي في إيران في أواخر القرن الثامن الهجريّ. وكتابنا لا صلة له بهذه العلوم وهذه الفرقة، فالفارابيّ كتب في إبطال الكيمياء والتنجيم، وكان بعيدا عن هذه العلوم.
وإنّما وجب ذكرها لدفع الالتباس.
والحروف قسمة كبرى من أقسام القول والألفاظ الدالّة، وهي التي يسمّيها نحويّو اليونان «الأدوات» ونحويّو العرب «حروف المعاني» أو «الحروف التي وضعت دالّة على معان» (الفارابيّ «شرح العبارة» ص 43، س 9، «الألفاظ» ص 42، س س 87) . فسيبويه، مثلا، يقول في باب علم ما الكلم من العربيّة «فالكلم اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل
وأمّا ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل فنحو ثمّ وسوف وواو القسم ولام الإضافة ونحو هذا» ( «كتاب» سيبويه، ج 1، ص 2) . والفارابيّ يقبل هذه القسمة وإن اختلفت الأسماء عنده. فما يسمّيه سيبويه «الكلم» يسمّيه الفارابيّ «الألفاظ الدالّة» ، وما يسمّيه سيبويه ونحويّو العرب «الأفعال» يسمّيه الفارابيّ «الكلم» ،
أمّا «الاسم» و «الحرف» فتتّفق فيهما التسمية عند سيبويه والفارابيّ (الفارابيّ «الألفاظ» ص ص 4241) . ومحتويات كتاب «الحروف» تبيّن أنّه يبحث أكثر ما يبحث في الحروف بهذا المعنى، وأنّ الأمور الأخرى التي يبحث فيها لواحق وأشياء لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذه الحروف.