والحروف التي يبحث فيها في كتاب «الحروف» (وهي الحروف التي يسأل بها عن المقولات، «الحروف» الفقرة 3وما بعدها، ص 62وما بعدها) ، يفصّل البحث في بعضها ويختصره في البعض الآخر، ولا يكاد يبحث في حرف «كم» والكمّيّة (راجع ص ص 4342من هذه «المقدّمة» ) . ويبحث في «الأشياء المطلوبة بهذه الحروف وما ينبغي أن يجاب به فيها» ، وأكثر هذه يسمّيها الفلاسفة «باسم تلك الحروف أو باسم مشتقّ منها» ( «الحروف» الفقرة 3، ص 62، قارن «الألفاظ» ص ص 4746) . ومن الأشياء المطلوبة بالحروف ما لها أسماء ليست حروفا ولا مشتقّة من الحروف بحسب الشكل اللفظيّ، ومع ذلك يمكن اعتبارها حروفا أو مشتقّة من حروف بحسب معناها، وهو الأمر الذي ينظر فيه المنطقيّ والفيلسوف. ولذلك يبحث كتاب «الحروف» في ألفاظ هي في اصطلاح النحويّين من الأسماء، مثل الجوهر والذات والشيء، ويستعمل الفارابيّ عبارات تكاد تكون غير مفهومة إذا أخذت على اصطلاح النحويّين، مثل «حرف يوجد» و «حرف الوجود» ( «شرح العبارة» ص 129، س 6، ص 165، س 23) . ويشير الفارابيّ إلى هذا الاختلاف بين المصطلح النحويّ والمصطلح المنطقيّ بقوله «وكذلك كثير ممّا سنعدّه في الحروف يرتّبه كثير من النحويّين لا في الحروف لكن إمّا في الاسم وإمّا في الكلم [أي الأفعال] . ونحن إنّما نرتّب هذه الأشياء بحسب الأنفع في الصناعة التي نحن بسبيلها» ( «الألفاظ» ص ص 4645) .
والحروف التي يبحث فيها الفارابيّ في كتاب «الحروف» بحث فيها أرسطوطاليس في كتابين من كتبه خاصّة، هي كتاب «المقولات» وكتاب «ما بعد الطبيعة» . والبحث في هذين الكتابين وفي أجزائهما وفي الصلة بينهما أمر شغل القدماء والمحدثين وكثر فيه النقاش واختلاف الرأي. والمسألة التي تهمّنا هي هل كتاب «الحروف» تفسير أو شرح أو تلخيص لكتاب «المقولات» أو لكتاب «ما بعد الطبيعة» . ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال إذا ما حصرنا اهتمامنا في المقولات ذاتها، إذ أنّ الكتابين يبحثان فيها، بل يجب أن نشير أوّلا إلى بعض الفروق بين الكتابين والفروق في الجهة التي يبحثان فيها في المقولات.
شاع القول إنّ كتاب «المقولات» ينظر في «المعقولات المفردة» (الفارابيّ «الألفاظ» ص 104، س س 2221) أو «المعقولات المفردة المدلول عليها بالألفاظ المفردة والألفاظ المفردة الدالّة على المعقولات المفردة» (الفارابيّ «رسالة
في المنطق» ص 227، س س 65)أو «أجناس الأشياء البسيطة التي يقع الكلام عليها» (الفارابيّ «ما ينبغي» ص 55، س س 54) ، وإنّ هذه هي أجزاء المقدّمات التي منها تلتئم المقاييس والبراهين. وأجمع جلّ المفسّرين على أنّ كتاب «المقولات» متقدّم لجميع أجزاء المنطق وأنّه أوّل كتب أرسطوطاليس المنطقيّة وأنّ ترتيبه قبل كتاب «العبارة» (راجع الفارابيّ «شرح العبارة» ص ص 2120) على ما في هذا الترتيب من شكّ. ومنهم من جعل «كتاب المقولات متقدّما لكتاب طوبيقا [أي المواضع الجدليّة] وسمّوه ما قبل طوبيقا» . والفارابيّ يقول إنّ كتاب «المقولات» متقدّم لجميع أجزاء المنطق لأنّه «متقدّم لجميع أجزاء الفلسفة، لأنّ الفلسفة ليست تنظر في شيء آخر غير المقولات أوّلا، لا التعاليم ولا العلم الطبيعيّ ولا العلم المدنيّ، فأمّا العلم الإلهيّ فإنّه إنّما ينظر أكثر شيء ينظر فيه في المقولات» ( «شرح العبارة» ص 23، س س 108) .
فالمقولات ليست موضوعة لعلم المنطق فحسب، بل هي الموضوعات الأول لجميع الصنائع المنطقيّة وجميع العلوم الفلسفيّة، ولعلم ما بعد الطبيعة أو العلم
الإلهيّ خاصّة (الفارابيّ «الحروف» الفقرة 11وما بعدها، ص 66وما بعدها) ، لأنّه ينظر في الأحوال العامّة لموضوعات جميع الصنائع والعلوم. والفرق بين كتاب «المقولات» وكتاب «ما بعد الطبيعة» عند نظرهما في المقولات هو أنّ كتاب «المقولات» يكاد يقتصر على تعريف المقولات وحدّها وتمييز دلالات الأسماء المفردة الدالّة على أجناس المعقولات المفردة بإيجاز. فهو لا يفصّل النظر في كيفيّة وجودها، وجهة تصوّر النفس لها، وتعيين الألفاظ التي تقع عليها، وجهة استعمالها في العلوم والصنائع. ولا ينظر في أمور تلحق هذه، مثل الفرق بين معاني المقولات في اللغة وعلى المشهور وبين معانيها في العلوم والصنائع الفلسفيّة، ومثل نشأة المعاني العامّيّة والفلسفيّة وحدوث اللغة والفلسفة والملّة واكتمالها والصلة بينها. وهذه أمور يفصّل أرسطوطاليس النظر في أغلبها في كتاب «ما بعد الطبيعة» .