ومع أنّ أرسطوطاليس يبيّن الجهات التي تقال عليها الأشياء في أغلب مقالات
«ما بعد الطبيعة» ، فإنّ مقالة الدال عرفت بأنّها قاموس للمصطلح الفلسفيّ.
وابن رشد يقول في أوّل تفسيره لهذه المقالة «غرضه في هذه المقالة أن يفصّل دلالات الأسماء على المعاني التي ينظر فيها في هذا العلم، وهي التي تتنزّل منه منزلة موضوع الصناعة من الصناعة، وهذه الأسماء هي التي تقال بالنسبة إلى شيء واحد بجهات مختلفة، ولذلك جعل النظر في شرح هذه الأسماء جزءا من هذا العلم فالنظر هاهنا في الأسماء هو من جنس النظر في أصناف الموضوع الذي ينظر فيه صاحب العلم، وما هذا شأنه فينبغي أن يفرد بالقول وأن يتقدّم النظر فيه على جميع المطالب التي في ذلك العلم» (ص 475) .
ومقالات كتاب «ما بعد الطبيعة» عامّة، ومقالة الدال منه خاصّة، تنظر في حروف المعاني وتفصّل دلالاتها والجهات التي تقال عليها. ولنقتصر على ما يقوله ابن رشد عند تفسير أوّل الفصل الرابع والعشرين من مقالة الدال: «لمّا عدّد على كم وجه يقال حرف له وحرف في، يريد أن يعدّد الآن على كم وجه يقال حرف من.
وإنّما عدّد هذه الحروف من بين سائر الحروف لكثرة استعمالها في العلوم ولكثرة وجوه المعاني التي تدلّ عليها» (ص 657) .
وخلاصة القول إنّ كتاب «الحروف» هو تفسير لكتاب أرسطوطاليس في «ما بعد الطبيعة» . ولا يعني هذا أنّ الكتابين يتّفقان في جميع الموضوعات التي ينظران فيها، بل هناك فروق يرجع بعضها إلى أنّ الفارابيّ ينظر في الألفاظ والمعاني المشهورة في لغات وعصور وملل غير لغة أرسطوطاليس وعصره وملّته، وبعضها إلى ما يرى الفارابيّ في فحوى كتاب «ما بعد الطبيعة» ومضمونه وفي أغراض أرسطوطاليس من هذا الكتاب.
إنّ الترجمات العربيّة لكتاب «ما بعد الطبيعة» لأرسطوطاليس لم تنشر بعد على حدة. وكتاب «تفسير ما بعد الطبيعة» لابن رشد الذي نشره الأب بويج لا يحوي النصّ الكامل لكتاب «ما بعد الطبيعة» . ومع ذلك فيحسن الرجوع إلى ما نشره الأب بويج من هذا الكتاب ومقارنته بكتاب «الحروف» للفارابيّ للاطّلاع على الأصول اليونانيّة للحروف والمصطلحات التي ينظر فيها وعلى تفاصيل
إشاراته في كتاب «الحروف» إلى كتاب «ما بعد الطبيعة» وعلى الفروق بين الكتابين، خاصّة وأنّ الأب بويج قد وضع فهارس كاملة ومفيدة تسهّل على القارئ عمله.