فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 386

والآية التى يستشهد بها الكاتب على هذا، هى {يُنَزِّلُ الْمَلََائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لََا إِلََهَ إِلََّا أَنَا فَاتَّقُونِ} (2) (النحل: 2) . وهذه هي أقرب آية في القرآن لتأكيد فرضية الكاتب من وجهة نظره فالملائكة، إذن، ليسوا من حملة الوحى بل إنهم يتكلمون في القرآن، كما يتكلم محمد، وإبراهيم، وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام: {وَمََا نَتَنَزَّلُ إِلََّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} (مريم: 64) ، الحقيقة أن الأمر بسيط، ولكن الكاتب هو الذى يريد أن يعقّده من خلال فرضياته وتخميناته.

وقبل أن نتولى الرد على هذه المزاعم المبتورة، نود أن نضع خطته ومادته في شكل أشبه بالقائمة. إنه تتبّع، بقدر ما من التوسع، آيات القرآن فوجدها كالتالى:

1.آيات تخلوا تماما من ذكر أى مصدر للقرآن مع أنها فيما يبدوا متقدمة النزول.

2.آيات تخلوا كلية كذلك، حتى من مجرد الإشارة إلى أن كلام القرآن صادر عن الله.

3.آيات أخرى يلوح منها أن محمدا هو الذى يتحدث بالقرآن.

4.آيات مكية ذكرت رب محمد، ولكن بضمير الغائب.

5.آيات تفيد أن محمدا كان يتلقى الوحى مباشرة عن الله.

6.آيات من أواخر ما نزل بمكة، وأوائل ما نزل بالمدينة، تقطع بأن الله نفسه هو الذى يقرأ (الآيات) ، و (القرآن) ، و (الكتاب) .

7.فى الوقت نفسه توجد آيات تنص على أن الله لا يوحى إلى بشر دون وسيط، وكتعليق سريع على هذه النقطة نلفت النظر إلى أن الكاتب قد فسر عبارة = روحا من أمرنا = بالملاك وهذا خطأ إذ المقصود بالروح هنا هو القرآن بخاصة و = الروح = من أسماء = القرآن = نفسه ثم إن الأوصاف التى لحقت بكلمة = روح = في الآية توضح ذلك المعنى. ويقول ويلش إن الآية 97من سورة البقرة تصور جبريل لأول مرة كوسيط للوحى، وأنه بناء على هذا، قد فسر علماء المسلمين = الروح = على أنها جبريل الذى صنفوه ضمن الملائكة.

8.توجد آيات قرآنية تفيد أن الملائكة ليسوا من حملة الوحي (مريم: 17، 64) وهذا يعزز القول بأن جبريل لم يكن له دور على الإطلاق في نقل الوحي إلى النبى صلى الله عليه وسلم.

بعد أن استعرضنا شواهد الكاتب القرآنية، وفهمه لها، واستنتاجه الخاطئ منها، نناقشه الآن فيما ذهب إليه، وبنى عليه من آراء:

أولا: إن ملاحظته فيما يخص طبيعة الآيات، وموضوعاتها، صحيح بشكل عام، إذ أن هناك سورا تخلوا من ذكر مصدر الوحى، وهو الله تعالى وسورا أخرى أسندت القرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إلى جبريل عليه السلام، كما توجد بعض الآيات التى تنص على أن الملائكة تكلمت بكلام ما في القرآن، شأن الشخصيات الأخرى التى حكى الله تعالى في القرآن كلامهم، هذا صحيح في جملته ولكنّ خطأ الكاتب هنا، يكمن في التفسير، فهو يحمّل

النصوص بما هو غريب عنها ومجلوب إليها، ويستنطقها بغير لغتها، ويدفع بها دفعا إلى نتائج جد غريبة فالقرآن ينقل كلام الملائكة من القرآن كما ينقل كلام الشخصيات الأخرى التى حكى الله تعالى كلامهم في القرآن ولذلك نجد المستشرق مثلا يتخذ من الآيات التى لم تذكر مصدر الوحى من وجهة نظره هو دليلا على عدم إلهية تلك الآيات وبلا شك فإنه إذا اهتزت الثقة في بعض آيات القرآن، انسحب ذلك على القرآن كله وهذا هو الغرض الذى يسعى إليه الكاتب بكل وضوح، مع أن القرآن، باعتباره وحيا من عند الله، كل لا يتجزأ، أنزله الله تعالى مفرقا هكذا، ليثبّت به فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم: {وَقُرْآنًا فَرَقْنََاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النََّاسِ عَلى ََ مُكْثٍ وَنَزَّلْنََاهُ تَنْزِيلًا} (106) (الإسراء: 106) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت