أولا: إن ملاحظته فيما يخص طبيعة الآيات، وموضوعاتها، صحيح بشكل عام، إذ أن هناك سورا تخلوا من ذكر مصدر الوحى، وهو الله تعالى وسورا أخرى أسندت القرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إلى جبريل عليه السلام، كما توجد بعض الآيات التى تنص على أن الملائكة تكلمت بكلام ما في القرآن، شأن الشخصيات الأخرى التى حكى الله تعالى في القرآن كلامهم، هذا صحيح في جملته ولكنّ خطأ الكاتب هنا، يكمن في التفسير، فهو يحمّل
النصوص بما هو غريب عنها ومجلوب إليها، ويستنطقها بغير لغتها، ويدفع بها دفعا إلى نتائج جد غريبة فالقرآن ينقل كلام الملائكة من القرآن كما ينقل كلام الشخصيات الأخرى التى حكى الله تعالى كلامهم في القرآن ولذلك نجد المستشرق مثلا يتخذ من الآيات التى لم تذكر مصدر الوحى من وجهة نظره هو دليلا على عدم إلهية تلك الآيات وبلا شك فإنه إذا اهتزت الثقة في بعض آيات القرآن، انسحب ذلك على القرآن كله وهذا هو الغرض الذى يسعى إليه الكاتب بكل وضوح، مع أن القرآن، باعتباره وحيا من عند الله، كل لا يتجزأ، أنزله الله تعالى مفرقا هكذا، ليثبّت به فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم: {وَقُرْآنًا فَرَقْنََاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النََّاسِ عَلى ََ مُكْثٍ وَنَزَّلْنََاهُ تَنْزِيلًا} (106) (الإسراء: 106) .
وكان يكفى للفهم والتدليل، لو أنصف الكاتب، أن يعرف أن الله تعالى، قد ذكر أنه هو مصدر القرآن ومنزله، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان مجرد قارئ له وأنه منذ البداية، كان مبلغا للقرآن فحسب بنص هذه الآية، وآيات أخرى كثيرة، على سبيل المثال قوله تعالى: {يََا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ} (المائدة: 67) ، وقوله تعالى: {اتْلُ مََا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتََابِ} (العنكبوت: 45) ، وقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (4) (المزمل: 4) ، وقد عرف المسلمون ذلك، وسلّموا به واعتقدوه وآمنوا بأن كل ما بين دفتى المصحف هو كلام الله تعالى، وأنه ليس من مطلب العقول المنصفة أن يكرر المؤلف لكتاب مثلا، ولله المثل الأعلى، في كل جزء، وباب، وفقرة منه، أنه هو مؤلف هذا الكتاب لا غيره. ناهيك أن للقرآن نسقا فريدا، وطبيعة خاصة، وروحا إلهية ملازمة، تدل على أنه آية آية، وسورة سورة من عند الله تعالى أضف إلى ذلك أن السورة التى استدل بها الكاتب الغربى على عدم ورود ذكر مصدر القرآن في القرآن، كلها تتحدث باللغة نفسها وبالطريقة ذاتها عن الله تعالى، وعن موضوعات كثيرة في سور أخرى من القرآن، ذكر فيها أن الله تعالى هو مصدر القرآن. ونتساءل هنا، هل في سورة الشمس كمثال أى دليل يخرجها عن كونها قرآنا؟ وهل شكك أحد في ذلك أبدا؟!! أما عن قول الكاتب بأن القرآن قد أسند الكلام إلى محمد، أو إلى جبريل، عليهما السلام، في بعض الإشارات القرآنية فهذا ليس معناه أن جبريل أو محمدا هو واضع القرآن لأن هذا معارض بالدليل الأعلى للقرآن نفسه. فالقرآن كله شاهد على كونه كلام الله، وأنه
هو منزله، سبحانه وتعالى، هذه حقيقة الحقائق. ومعنى قول الله تعالى الذى استشهد به الكاتب: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (19) (التكوير: 19) ، إن هذا القرآن لتبليغ رسول = وهو جبريل = كريم، وقد أسند الله القول إلى جبريل، لأنه تلقى القرآن سماعا من الله، وبلغه تلقينا ومشافهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأنه لبلاغه إياه بمثابة قوله فهو المظهر له حتى أنه لولاه لما عرف أحد القرآن، فصحت ثمة إضافته إليه، وقد ينسب كلام الغير إلى من تحمّله أو نقله. كمن تحمل رسالة من رسول، أو سفير وذلك كثير الوقوع في العادة (1) . ومما يدل على أن القرآن ليس من وضع غير الله، قوله تعالى بعده: {وَمََا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} (24) (التكوير: 24) ، الضمير = هو = يعود على جبريل، والغيب هو القرآن، الذى كان غيبا قبل أن يعرّفه الله به، ويحمّله إياه ومعنى = بضنين = أى بممسك له وكاتم إياه، ثم إن كلمة رسول ذاتها، توحى بأن دور = جبريل = عليه السلام، كان دور السفير المكلّف لا المبدع المؤلّف، وأن الله أرسله بهذه الرسالة الخاتمة لا غير، فليس له إذن فضل إلا فضل النقل والتلقين. أضف إلى ذلك دلالة مواقع الإشارة في الآيات التى بعدها: {وَمََا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطََانٍ رَجِيمٍ} (25) يعنى أن القرآن ليس من قول الشيطان الرجيم، أى المبعد عن رحمة الله، المطرود من حضرة قدسه الأعلى ومعنى كلام الله تعالى كما في هذه الآية أن الشيطان لا يقدر على حمل القرآن، ولا يستطيع تبليغه فإن القرآن قاصم لظهور الشياطين. وإذا كان الله عبر هنا بلفظة = قول = التى قد يسهل على الجافى غير المنصف تحريفها عن معناها، فإن الله تعالى عبر عن ذلك بلفظة = تنزل = في موضع آخر، والقرآن كالماس يجلّى بعضه بعضا، يقول تعالى: {وَمََا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيََاطِينُ (210) وَمََا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمََا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} (212) (الشعراء: 210: 212) ، وقوله تعالى: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} (26) (التكوير: 26) يعنى أن جميع الطرق مسدودة أمامكم، إلا طريق التسليم بأن القرآن هو كلام الله بلغه ملاك كريم أمين غير متهم إلى رسول عظيم معصوم.