فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 386

وقيل أيضا أن أبا العلاء المعرى (ت: 449هـ) ، قد حاول ذلك، ولكن لا يوجد لدينا دليل يؤكده. ومن المفيد في هذه القرينة، أن نقتبس كلام مصطفى صادق الرافعى، بشأن تحدى القرآن لخصوم القرآن الذى يقول فيه: = المعارضة نصف الحق وإن هى لم تكن حقا لأنها تبينه وتجلوه وتقطع عنه الألسنة وتنفى عنه الظنة، ومن هنا يظهر لك السر المعجز الغريب البالغ منتهى الدقة في القرآن الكريم، فإن هذا الكتاب من دون الكتب السماوية والأرضية هو وحده الذى انفرد بتحدى الخلق وإثبات هذا التحدى فيه وبذلك قرر أسمى قواعد الحق الإنسانى ووضع الأساس الدستورى الحر لإيجاد المعارضة وحمايتها، وأقام البرهان لمن آمنوا على من كفروا، وكان العجز عنه حجة دامغة معها من القوة كالذى مع الحجة الأخرى في إعجازه، فسما بالحجتين جميعا وذلك هو المبدأ الذى لا استقلال ولا حرية بغيره، وما الصواب إذا حققت إلّا انتصار في معركة الآراء، ولا الخطأ إلا اندحار فيها لا أقل ولا أكثر وبهذا وحده يقوم الميزان العقلى في هذه الإنسانية = [1] .

ويقول ابن قتيبة في تحليل مفهوم البلاغة القرآنية: = والخطيب إذا ارتجل كلاما في نكاح أو حمالة (دية، أو غرامة) أو تحريض، أو صلح، أو ما أشبه ذلك، لم يأت به من واد واحد بل يفتن، فيختصر تارة، إرادة التخفيف، ويطيل تارة، إرادة الإفهام، ويكرر أخرى، إرادة التوكيد، ويخفى بعض معانيه، حتى يغمض على أكثر السامعين، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين، ويشير إلى الشيء، ويكنى عن الشيء وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال وقدر الحفل، وكثرة الحشد وجلالة اللقاء. ثم لا يأتى بالكلام كله مهذبا كل التهذيب، ومصفى كل التصفية. بل تجده يمزج ويشوب (يخلط) ليدل بالناقص على الوافر، وبالغث على الثمين، ولو جعله كله نجرا (لونا) واحدا لبخسه بهاءه وسلبه ماءه. ومثال ذلك الشهاب من القبس تبرزه للشعاع، والكوكبان يقترنان، فينقص النوران، والسّخاب (القلادة) ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان ولا يحمل كله

(1) تحت راية القرآن ص 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت