فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 386

على أن يدعى في المعارضة أكثر من محاكاة القشرة الخارجية للقرآن أما ما حواه القرآن من علوم ومعارف فليس يستطيعها إنسان البتّة، بل ولا مجموع العالمين، في الأولين والآخرين. ومع هذا فقد أعلن الزنديق ابن الراوندى عجزه وسلم بإعجاز القرآن كما صرح به للجبائى [1] . وإذا صح هذا الخبر فإن القول باحتمال توبته ورجوعه يصبح ممكنا، ولكنه على أى حال فإن ابن الراوندى كان مريضا عقليا، ومصابا بأزمة نفسية حادة أفقدته الثقة في نفسه، وبالتالى في دينه، فراح يطعن في القرآن والنبى صلى الله عليه وسلم والأنبياء ويجدف على الله بكلام ككلام الممرورين، وهكذا ينبغى أن نأخذ كتاباته على أنها أعراض أمراض ليس فيها علم يستفاد، ولا فكر يستجاد، هذا مع ما قيل من أنه فزع من دعواه، وعاد لدينه الذى قلاه، ومات على الإيمان بإعجاز القرآن وقد زعموا أيضا أن ابن المقفع حاول معارضة القرآن وعاناه مدة ثم استحيا من إظهار ما لفّقه فمزّقه.

وقد رمي ابن المقفع كذلك في دينه واتّهم في عقيدته، وأيا كان الأمر فهذه هى أثاره، = كليلة ودمنة = والأدب الكبير والأدب الصغير خذها فاقرأها وأمعن النظر فيها وتأملها، ثم انظر في القرآن، وقارن، فسوف تجدها لا تصل في بلاغتها وفصاحتها إلى ما تصل إليه ذبالة شمعة تحت ضوء الشمس الساطعة في رائعة النهار بالنسبة للقرآن.

ولقد زعم بعض المرجفين أن أبا الطيب المتنبئ (ت: 354هـ) قد حاول معارضة القرآن ونحن لم نطلع للمتنبي على كلام في معارضة القرآن لا شعرا ولا نثرا، أما عن ادعاء أبي الطيب النبوة فهو أمر محتمل، إذ أن له أشعارا تدل على رقة دينه، وتجرؤه على الأنبياء، على سبيل المثال قوله في مدح سيف الدولة:

إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام

ولقد اجتمع للمتنبي مع ضعف الوازع الدينى وجوده في بيئة كانت تتلاطم فيها الأفكار الطائفية للشيعة القرامطة، والإسماعيلية، وآراء الفلاسفة والملاحدة، هذا فضلا عن التيارات السياسية. [2]

(1) انظر عبد الرحمن العباسى. معاهد التنصيص القاهرة. بولاق 1274هـ 1/ 76والخياط. كتاب الانتصار مقدمة الناشر ص 2، 3.

(2) انظر عباس محمود العقاد. مطالعات في الكتب والحياة. القاهرة. دار المعارف ط 4، 1987ص 125121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت