ومما يلحق بكلام ويلش، ما زعمه المستشرقان بل ووات في مقدمتهما حول قوله تعالى: {إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (2) (يوسف: 2) ، وقوله تعالى: وَلَوْ
جَعَلْنََاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقََالُوا لَوْلََا فُصِّلَتْ آيََاتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفََاءٌ وَالَّذِينَ لََا يُؤْمِنُونَ فِي آذََانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولََئِكَ يُنََادَوْنَ مِنْ مَكََانٍ بَعِيدٍ (44) (فصلت: 44) .
يقول المستشرقان بل ووات إن تعبير = قرءنا عربيّا = يتضمن الإشارة إلى وجود قرآن غير عربى، وهذا تفسير غريب وتوجيه بعيد لعبارة القرآن، ولا يوجد مسلم يمكن أن يقول بوجود قرآن غير عربى البتّة وأين هو يا ترى هذا القرآن غير العربى؟ وفى أى لغة يكون؟
والله تعالى يقول: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لََا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كََانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (88) (الإسراء: 88) ، فمثلية القرآن كمثلية منزّله تعالى ممتنعة في الواقع وفى التصور الصحيح.
والآيات التى تتحدث عن عربية القرآن إنما تعنى الإلزام والإعلان إلزام للعرب بأنه جاء بلغتهم وخاطبهم بلسانهم وهم يفهمون مراده، فوجب عليهم إذن تصديقه، وأما الإعلان ففي تقرير المولى بأنه أرسله بلسان عربى مبين، بلغ الكمال في لغته وفى لغات العالمين، وأن القرآن لا يوجد مثله، لا في العربية ولا في غيرها من اللغات، وما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره إذن أن يفترى هذا القرآن من دون الله، لأنه لا يمكن أن يفترى أصلا.
ونلقى الآن مزيدا من الضوء على كلمة = قرآن = في أصلها اللغوى، اختلف العلماء في مفهوم الاسم، هل هو اسم علم خاص بكلام الله تعالى وغير مشتق من شيء أصلا، أم أنه اسم مشتق من = القرى = تقول: = قريت الماء في الحوض = أى جمعته، وعليه يكون القرآن بمعنى المجموع.
يقول الراغب الأصفهانى (ت: 425هـ / 1033م) : = وليس يقال ذلك لكل جمع، فلا يقال: قرأت القوم أى جمعتهم =. والزركشى لا يمنع ذلك في أصل اللغة، وإن كان ممتنعا في العرف والاستعمال لذلك توسع الهروى في تعريف الكلمة فقال: = كل شيء جمعته، فقد قرأته =.
ويبين لنا أبو عبيدة السبب في إطلاق اسم = القرآن = على كلام الله تعالى بخاصة فيقول: = سمى القرآن بهذا اللفظ إما لأنه جمع السور بعضها إلى بعض، وإما لأن القرآن
جمع معا بين دفتيه أصناف العلوم كلها كما قال تعالى: {مََا فَرَّطْنََا فِي الْكِتََابِ مِنْ شَيْءٍ}
(الأنعام: 38) .